كتاب الراية

غديرٌ وشراع …. مع الكتب (2) الجوهرة المضيّة بمختار الأشعار والحكم الأدبية

هو الكتاب الثاني للشيخ عبدالرحمن بن عبدالله بن أحمد بن درهم (ت 1362هـ/ 1943م)، بعد كتابه الأول:»نزهة الأبصار بطرائف الأخبار والأشعار». والشيخ عبدالرحمن من قضاة قطر وأدبائها، جمع في مؤلفاته ما رغب فيه ذوقه وارتاحت إليه ذائقته من شعر من سبقه في تراثنا العربي القديم والحديث ونثره، ومن جاوره وعاصره من أدباء وشعراء وحكماء.

ويأتي الاختيار نهجاً نقدياً يعكس ذوق الأديب، ومحبته للأدب وللإبداع الأدبي شعراً ونثراً. ويشير إلى دور الأديب المؤلف في تجسيد ملامح الحياة الأدبية والثقافية في الفترة التي عاشها وعاصرها. ولعلنا في مثل هذه الكتب نرسم علامات واضحة للحياة الأدبية والثقافية في قطر في النصف الأول من القرن العشرين.

نشرت الكتاب المؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا) 2017، الدوحة – قطر، بتحقيق وشرح علي بن عبدالله الفياض وعبدالعزيز رفعت عبدالعزيز، وجاء في صفحته الأولى بعد العنوان: «جمعه الفقير إلى رحمة الله عبدالرحمن بن عبدالله بن درهم، عفا الله عنه سنة 1351هـ». جاء الكتاب في 864 صفحة، وذيّل بفهرس توضيحي لمحتوياته.

ومما جاء في مقدمة المؤلف: «أما بعد فإن الشعر جلاء الأذهان، والباعث على مكارم الأخلاق وبذل الإحسان، وهو ترجمان مجالس الأدب، وأساس فخر العرب، ومشيّد المفاخر، والداعي إلى جميع المناقب والمآثر، فلذلك أحببت أن أنقل في المجموع ما استحدث من أشعار المتقدمين والمتأخرين مما يرغب الأدباء وذوو العرفان فبادرت إلى جمعه بحسب الطاقة والإمكان، مرادي في ذلك خدمة الأدب وأهله، والحرص على روايته ونقله، ونقلت فيه أيضا مما أعجبني من الحكم والأدبيات والنوادر المفيدة، وسميته (الجوهرة المضيّة بمختار الحكم والأشعار الأدبية)».

من هذه المقدمة يتضح لنا الذائقة الأدبية الإبداعية التي دفعت بالمؤلف -رحمه الله- إلى كتابة مؤلفه، وما هي سوى محبة الشعر لدوره الباقي والأكيد في متعة العقل وسمو الأخلاق ومفاخر المناقب والآثار، وهدفه خدمة الأدب وأهله. والحرص على روايته ونقله، لقلة الكتب المطبوعة والمخطوطات في تلك الفترة في قطر، والأديب هنا يقوم بمسؤوليته الثقافية في نقل الآداب إلى محبيها ممن يعاصر الأديب أو يأتي بعده. وتلك مهمة لم تعد من أهداف الكثير من الأدباء والمبدعين الآن.

نأخذ من منتقيات الكتاب: قصيدة زهير بن أبي سلمى المزني التي مدح بها هرم بن سنان المري، قال:

إنّ الخليط أجدّ البينَ فانفرقا

وعلّقَ القلبُ من أسماء ما علقِا

وأخلفتكَ ابنة البكري ما وعدتْ

فأصبح الحبلُ منها واهناً خَلِقا

وفارقتكَ برهنٍ لا فكاك لهُ

يوم الوداعِ فأمسى الرهنُ قد غلقا

ومن أبيات المدح في القصيدة:

إن تلقَ يوماً على علاتهِ هَرِماً

تلقَ السماحةَ منه والندى خُلُقا

وليس مانع ذي قربى وذي رحمٍ

يوماً ولا معدِماً من خابط ورَقا

ليثٌ بَعَثّرَ يصطادُ الرجال إذا

ما كذّبَ الليثُ عن أقرانِهِ صَدَقَا

من عيون الشعر العربي معنىً ومبنى.

من الأبيات المنتقاة من الشعر الحديث قصيدة للشاعر محمد بن سعيد النجفي من شعراء العراق، يقول فيها:

تذكرت عهدا بالحمى راق لي دهرا

فهاجت تباريح الغرام لي الذكرى

وأومضّ من وادي الغضى لمعُ بارقٍ

فأذكى لنيران الغضى في الحشا جمرا

فيا حبذا تلك المغاني وإن نأت

ويا ما أحيلى العيش فيها وإن مَرّا

فيا طالما بالأنس كانت أواهلاً

وإن هي أمست بعدُ موحشةً قفرا

ويمتلئ الكتاب بمئات المنتقيات شعراً ونثرا قديماً وحديثاً.

رحم الله الشيخ الأديب ابن درهم، ونفع بما ترك من علمٍ وأدب.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X