ثقافة وأدب
كتب الشعر أكثر من سبعين عاماً وذاكرته كانت قوية وجارحة

الجواهــري.. الشاعـر والإنســان والمناضــل

حفظ ديوان أبي العلاء بيتاً بيتاً وتعصّب للبحتري وأحبّ ابن المقفع

لم يقل في كل دواوينه بيتاً واحداً بقصد الانتفاع

الجواهري: تقارب يكاد يصل إلى التطابق بين مصيري ومصير المتنبي

لماذا كوابيسه خلال المنفى في براغ كانت توقظ الجيران؟

بقلم – جهاد فاضل:

هذا الكتاب “مع الجواهري .. الحدث، والذات، والقصيدة” للكاتب زهير الجزائري من أفضل ما كُتب عن محمّد مهدي الجواهري شاعر العراق الكبير، وأحد أعظم شعراء العرب في القرن العشرين، كتبه صحفي وكاتب كان قريباً من الجواهري وعارفاً بأخباره وسيرَته وأشعاره.

وكتابه يتضمن صفحات كثيرة شبه مجهولة في حياة هذا الشاعر الذي يعثر القارئ في شعره على تاريخ وطنه، كما على صفحات خالدات في مسيرة الشعر العربيّ المُعاصر.

زهير الجزائري يتحدّث في كتابه عن الجواهري الشاعر والجواهري الإنسان بعيوبه ومباذله وضعفه وقوته، والجواهري السياسي والمناضل والثائر الذي رافق تاريخ العراق منذ العشرينيات من القرن العشرين حتى وفاته عن عُمُر يقارب المائة.

قرن من الحياة المحتدمة نفساً وشعراً أُودعت تفاصيلها في وجدان مئات من المبدعين العراقيين والعرب، وأبرزهم أولئك الذين عاشوا معه في سنواته الأخيرة بسوريا ومنهم زهير الجزائري الذي يمتح من بئرٍ صافٍ ذكرياتهِ عن الجواهري، إذ له أيام معه اكتشف فيها وساوس شخصية الجواهري وهواجسه، فعقد من بعد معه حواراً نجد في الكتاب متعته واكتنازه، ثم توّج كل ذلك بإفصاح الجواهري نفسه عن الظروف التي أحاطت ببعض قصائده، تلك التي أُنيرت بكلمات الجواهري وما بذله زهير من جهد في قدح الذاكرة.

يقترب الكاتب من حياة الجواهري ليكون عليها شاهداً، جملة من لقاءات في بلدان وأماكن مختلفة، وأزمان متباعدة تملّى فيها وجه الجواهري فكشف عما لم يدوّنه الجواهري في مذكراته. ومن أجمل ما في الكتاب توثيق لحظات كتابة الشعر في حياة الجواهري، وكيف تنبثق القصيدة. يرسم زهير الجزائري صورة للجواهري في مجلسه وهو يحدّثه عن ذكرياته. يسود البيت صمت مطبق لأن الماضي سيتكلم بصوت رجل. وقبل أن يبدأ الحديث اعتاد أن يسحب نفساً عميقاً من سيجارته، ومن خلف النظارة عينان ساكنتان كأنه يحدّق في اللاشيء، حائراً بين إمكانية استعادة الماضي بواسطة الكلمات وإحساسه الآخر بأن هذا الماضي لم يعد موجوداً.

ذاكرة جارحة

بدا وكأنه يكتب بصوته. يدقق الكلمات قبل أن يقولها ويحفر في تلك الأرض الملحية باحثاً عن الصور والأشخاص والأمكنة. للجواهري ذاكرة جارحة. كان في التسعين من عُمُره عندما بدأ التسجيل. مع ذلك يتذكّر شكل الفراش وزاوية البيت التي احتُضر فيها جَدُّه. يحفظ عن ظهر قلب أول قصيدة كتبها وهو في العشرين من عمره. لا يفاخر بقوة ذاكرته، بل يعدّها مصدر عذابه، ويحسد النسّائين، لأن هذه الذاكرة المريرة محملة بأشباح الموتى والكوابيس. عاش الجواهري عمر الدولة العراقية وشاهد مفارق عصره. تتزاحم الأزمنة والأمكنة في مخيلته نظراً لطول الطريق وكثرة ما تخللها من أحداث. ختم الجواهري ديوان العمود عند العرب وفتح ديواناً لمن يليه، فكان أطول الشعراء الأحياء عمراً وأكثرهم استمراراً. كتب الشعر أكثر من سبعين عاماً. نثر قصائده على مفترق الأحداث. حربان عالميتان، حكم عثماني واحتلال إنجليزي وأربع أو خمس جمهوريات، وعاش حروباً عربية/ إسرائيلية وأخرى عربية/ عربية، ولجأ إلى سلطة للشعر مقابل سلطة الحاكم.

بدايته مع الشعر

الأهم في الجواهري هو الشاعر، والشاعر في اعتقاده يتهيأ وهو ما يزال في عالم الأرحام. لم يكن الشعر بالنسبة له طرفة مجالس كما يقول. وهو يشرح بداية تكونه كشاعر على الصورة الآتية: منذ الصغر كان التهيب يتملكني أمام الشعر. كنت أكتب وأمزّق، لأني اعتقدت أنه أكثر من طموحاتي. ومنذ لُقّنت أول العلوم تكوّنت ذائقتي على أساس أن الحرف مضمون وليس مجرد صياغة أو أناقة. وكانت الفكرة تتكوّن عندي قبل أوان التفكر والتفكير في المراحل الشعرية. كان نديمي وصديقي الحقيقي هو خير ما في التراث العربي كله.

وقبل أن آتي إلى هذا المجلس أو ذاك، كنت أقرأ منذ الصباح حتى المساء ديوان أبي العلاء المعري. قرأت “البيان والتبيين” وأنا ابن العاشرة وربما الحادية عشرة، وكذلك كتب ابن المقفع. ومن الدواوين أقرأ بنهم يُشبه الهوس.

من الجاهلية حتى عصر المماليك. حفظت ديوان أبي العلاء بيتاً بيتاً، وتعصّبت للبحتري منذ العشرينيات ولازمني هذا التعصّب حتى اليوم. لذلك كنت آتي إلى المجالس النجفية وأعرف من قبل أني أعيش عالماً غير عالمي. لديّ إحساس، بل ويقين، بأن هؤلاء الذين أخالطهم لم يقرأوا ثلاثة كتب من الثلاثمائة التي كنت أقرأها، ولم يتكوّن عندهم المنطق الذي يتكوّن منه الشاعر بمعنى الكلمة.

يستعمل الجواهري كثيراً عبارة (تفجّرت) فعل يجمع بين اللحظة الخاطفة والاستمرارية. لا يسبق الفعل فاعل، إنما هو نتاج نفسه. يستخدمه للتدليل على أن القصيدة انبثقت بذاتها في داخله تحت تأثير الحدث أو العاطفة التي رافقته.

أحياناً يستدعي الحدث موقفاً. ويلتقي الحدث مع ذات مأزومة أصلاً ومهيّأة لاستقباله. “أتلقى إشارة ويحدث تهيُّؤ وليس تنزّل. وقد يستغرق البيت الذي يسبق الموقف مني نصف ساعة قبل أن أمسك القلم، أو قبل أن أقول البيت الأوّل الذي هو عندي عنوان الفكرة. ولكن بقية القصيدة ستستغرق نصف ساعة أو ساعة ونصفاً في أكثر تقدير.

شخص متوتر

يصف الجواهري نفسه “بالشخص المتأزم الدائم التوتر” ويضيف: ولهذا كنت مثار تعب لعائلتي. دائماً يقولون لي: ستقتل نفسك بهذه العصبية الدائمة.

حركة الأصابع المتوترة أكمل تعبير عن هذا التأزم الدائم. منذ طفولتي كنت معروفاً بفورة الروح. وحتى الآن تلازمني هذه الفورة ويصادف أن يلتقي هذا التأزم مع الأحداث التي تؤزم بلادي. أو أن أزمتي الداخلية تغذي تأزم الناس بالقصائد. كل من عاش هذه المدة يعرف جيداً ما كان لهذه القصائد من زعزعة وإثارة للجماهير التي كانت في حاجة لمن يزعزعها ويحركها. في أحيان أُخرى أُستفزّ بحدث يمسّني شخصياً كما حدث مرة حين ذهبت إلى تشييع نيابةً عن البلاط الملكي وعدت خاسراً متألماً من نفسي.

لماذا ذهبت؟ كان الألم يغذي داخلي قصيدة، والمفروض أن تنفجر في صلب القصة التي حدثت، كما هو المألوف “قالت وقلت خاطبتها جاوبتني”.. ولكن أبداً لم يكن شيء من هذا. ولا كلمة واحدة عن الموضوع. الإبداع كان أسمى رغم الغضب العارم. وبدأت بانطلاقة داخلية وكأنني سأغادر دجلة. أتغزل به كأنما أودعه متألماً:

سلامٌ على هضبات العراق

وشطّيهِ والجُرف والمنحنى

ولكن الغضب والتأزم يأخذ القصيدة مرة أخرى بعيداً عن المشهد:

بـ “علقمةَ الفحلِ” أُزجي اليمينَ

أنَّي ألَذُّ بمُرِّ الجنى

وبـ “الشَّنْفَرى” أنَّ عينيَّ لا

تَلَذّانِ في النومِ طعمَ الكرى

وبـ “المتنبئِ” أنَّ البَلاءَ

إذا جدَّ، يَعلم “أني الفتى

بماذا يخوِّفني الأرْذَلُونَ

وممَّ تخافُ صِلالُ الفلا؟!

أيُسْلبُ عنها نعيمُ الهجيرِ

ونفحُ الرمالِ، وبذْخُ العرا!!

تصوّر! من “سلام على هضبات العراق” إلى “علقمة أزجي اليمين” إلى “بماذا يخوّفني الأرذلون”، إلى أن أقول: “لنفسي إذا ضمّها مجلس يُزدهى”:

تسامَيْ فإنكِ خيرُ النفوسِ

إذا قيسَ كلٌّ على ما انطوى

وأحسنُ ما فيكِ أنّ “الضميرَ

يَصيحُ من القلبِ “أنِّي هُنا”!

الشاعر الثائر

ولكن هل هذا التأزم الدائم عند الجواهري خاصية عراقية؟ يجيب: “ربما. ولكنها أيضاً خاصية الشاعر الثائر، عنيف في ثورته، في كرهه، في حبه، من دعبل الخزاعي، إلى ابن الرومي العظيم، إلى المتنبي الذبيح حتى الرصافي. وأؤمن بأن الثورة لا تتجزأ في العواطف الشخصية أو في السياسية.

فعندي لا يتحول الموقف السياسي إلى قصيدة حتى يختمر كموقف شخصي. ولا يكفي أن يكون الشاعر عاطفياً لكي يكون شاعراً.

فالعاطفة سمة إنسانية يشترك فيها كل الناس. ما يحسم شاعرية الشاعر. كم هو عارم؟ وفي ذلك تكمن ثوريته التي تنطوي أيضاً على مخالفة المألوف بين الناس وليس فقط الحاكمين. حرارة القصيدة الغزلية تكاد أحياناً أن تفنّد حرارة الشاعر نفسه وكل موقفه. أحبّ العراقيون الجانبين في الرصافي: المخالف والثائر. وعندما يسمعون أنه سيقرأ إحدى قصائده كانوا يزحفون إلى المكان من كل أنحاء بغداد، ومن بسطاء الناس وكبارها من روّاد الحانات إلى القبضاي أبو جاسم. يحبّون الشاعر المنسجم مع نفسه في مواقفه وفي حياته، والحكام أنفسهم على رغم أحقادهم يحبّون الرصافي.

نوري السعيد كان يحبّ الرصافي والجواهري، ولم يكن يشتم نوري السعيد وطبقته إلا الاثنان. إنها مفارقات”..

الذين ينتفعون من الشعر

ويسأله محاوره كيف يوفق بين قوله للحكام :”أنا حتفُهم ألجُ البيوت عليهم/ أغري الوليد بشتمهم والحاجبا” وبين ما لا يُحصى من قصائد المديح لهم..

فيجيب: “أنا لا أُنكر هذا أبداً وأحبّ أن يعرفني الناس، وإذا أرادوا أن يحبّوني بمتناقضاتي وتعارضاتي، فأنا ابن هذه المجتمعات وابن هذه الضائقات التي تحيط بالشاعر. وعلى الرغم من أن شعراء آخرين يكتبون دواوين كاملة، أحياناً فيها إبداع بقصد الانتفاع، فأستطيع أن أجزم بأنني لم أقل في كل دواويني بيتاً واحداً بقصد الانتفاع، ولو فعلت ذلك لقلته، فأنا لا أتنكر لشيء فعلته. قلتُ شعراً في حاكمين وساسة نعم، ولكني ما فعلت ذلك إلا لأنني أردت ذلك بمحض إرادتي وبرغبة مني. وقد يُفاجأ كثير من الناس إذا عرفوا أن الجواهري الذي عرفوه بالوثبات كتب قصائده في مديح فيصل الأول وفي مناسبات شخصية مختلفة. وربما لم يقرأ الملك قصيدتي فيه. أنا بطبيعتي وبحكم تربيتي أتأثر بالجميل ويمكن أن أكون ضعيفاً أمامه. وقد شعرت أني مدين للملك الجليل بما تعرف من خلاصي من تجمع العصبيات والطائفيات التي وقفت ضد عملي كمعلم، وأعني قضية ساطع الحصري.

الجواهري والمتنبي

ويقارن بينه وبين المتنبي على هذه الصورة: “قرأتُ المتنبي وأنا متوارٍ عن والدي خلسةً في سراديب البيت، وردّدتُ قصائده حتى حفظتها ثم استنسختُها لأحتفظ بها طالما تعذر عليّ أنا الصبي شراء ديوانه. وكلما كبرت وكبرت قصائدي تأكدت من تقارب يكاد يصل إلى التطابق بين مصيري ومصير المتنبي العظيم. فقد كابد ما كابدت من هذا البلد الصعب، العراق. هذا البلد الذي ينبت العبقريات ثم يحكم عليها بالشقاء. عانى المتنبي ما عانيت من الحكام وتحمل ما تحملت من الحاقدين والحاسدين، وشُرّد كما شُردّت. ومع ذلك شغل الناس كما شغلت. على رغم أنه لم يعش بين أهله في الكوفة طويلاً. كأني كنت أتحدث عن نفسي وأنا أحييه وأحيي فيه كبرياء الشاعر المتمرّد:

تحدى الموتَ واختزلَ الزمانا

فتىً لوّى من الزمنِ العِنانا

فتىً خبطَ الدُنى والناسَ طُراً

وآلى أن يكونَهما فكانا

تطوفُ الحورُ زِدْنَ بما تغنّى

وهنّ الفاتناتُ به افتتانا

دماً صاغَ الحروفَ مجنَّحاتٍ

رهافاً، مشرئباتٍ، حسانا

أسباب قصائده

ويتحدث عن بعض قصائده وأسبابها الموجبة ومنها قصيدة قالها في مدينة يافا الفلسطينية بعد زيارته لها بواسطة الطائرة زمن الانتداب البريطاني، أي قبل سقوط فلسطين بيد اليهود:

يشاء الحظ أن تكون أولى رحلاتي بالطائرة إلى فلسطين. كنت تلقيت دعوة من إذاعة الشرق الأدنى لإقامة أمسية شعرية في يافا. وكان الطيران كوسيلة نقل ما يزال حديث العهد وذيول الحرب العالمية الثانية ما زالت سارية. ولذلك وقّعتُ ما يشبه وصية ميت.. وقلت آنذاك إن الأمر يستحق المجازفة ما دام الوعد هو رؤية فلسطين الجميلة.

كنتُ أراقب سهول فلسطين الخضراء وجبالها من فوق السحاب وأنا أدمدم مطلع قصيدتي:

بيافا يوم حُطّ الركابُ

تمطّر عارضٌ ودجا سحابُ

وفي الحفلة الضخمة التي أقيمت في النادي العربي في حضور شخصيات فلسطينية كثيرة نفّذتُ شرطي لقبول الدعوة وقلبت الحفلة على المضيفين الإنجليز الذين يديرون الإذاعة وقرأت بالتحديد قصائدي المناهضة للاستعمار والنفوذ الأجنبي في البلاد العربية.

وعندما قرأتُ قصيدتي الجديدة (يافا الجميلة) ووصلت:

أحقاً بيننا اختلفت حدودٌ

وما اختلف الطريق ولا الترابُ

رأيت المناديل البيض ترفرف على رؤوس الحاضرين كالحمائم..

بالإضافة إلى يافا رأيت حيفا واللد والجليل والبحر الذي يحضن أجمل مدن العرب، كما بهرني جلال المسجد الأقصى. كانت رحلة العمر التي لن أنسى والتي تمنيت لو أنها لم تحدث أبداً. فالغصة تتملكني حتى كتابة هذه الأسطر وأنا أتذكر بما يشبه الحلم أني رأيت الفردوس الذي فقدناه.

ولما طبَّقَ الأرَجُ الثنايا

وفُتِّح مِنْ جِنانِ الخُلدِ بابٌ

ولاحَ “ اللُّدُّ “ مُنبسِطاً عليهِ

مِن الزَهَراتِ يانِعةً خِضابُ

نظْرتُ بمُقلةٍ غطَّى عليها

مِن الدمعِ الضليلِ بها حِجابُ

وقلتُ وما أُحيرُ سوى عِتابٍ

ولستُ بعارفٍ لِمَنِ العتابُ

أحقَّاً بينَنا اختلَفَتْ حُدودٌ

وما اختَلفَ الطريقُ ولا الترابُ

ولا افترقَتْ وجوهٌ عن وجوهٍ

ولا الضّادُ الفصيحُ ولا الكِتابُ

فيا داري إذا ضاقَت ديارٌ

ويا صَحبيْ إذا قلَّ الصِحابُ

ويا مُتسابقِينَ إلى احتِضاني

شَفيعي عِندَهم أدبٌ لُبابُ

ويا غُرَّ السجايا لم يَمُنُّوا

بما لَطُفوا عليَّ ولم يُحابوا

ثِقوا أنّا تُوَحَّدُنا همومٌ

مُشارِكةٌ ويجمعُنا مُصابُ

تَشِعُّ كريمةً في كل طَرفٍ

عراقيٍّ طيوفُكُم العِذابُ

وسائلةٌ دَماً في كلِّ قلبٍ

عراقيٍّ جُروحُكم الرِغابُ

يا دجلة الخير

ويشرح ظروف نظمه قصيدة من أجمل قصائده هي “يا دجلة الخير” فيقول: “وصول شريكة حياتي إلى براغ (زمن المنفى) كان دلالة على أن المنفى سيطول. بعد وصولها انتقلت من المنفى إلى شقة صغيرة ورتبت لي حياة على شيء من الرفاه، واعتقدتُ، ولأقُل خدعت نفسي، بفترة راحة أعوّض بها أيام بغداد الصعبة. ولكن هيهاتّ فكلما طرق النعاس، بعد الجهد، عيني، فزعتُ صارخاً من كابوس أفظع، فيدقُّ الجيران عليّ جدرانها سائلين الهدوء، غير عالمين بأسباب هذا الصراخ. واعتادت زوجتي هذه الكوابيس فكانت تعالجها بكوب ماء. أما أنا فكنت أعلم أن كوب الماء الحقيقي الذي يعالج هذه الكوابيس هو “دجلة الخير” التي كانت تراودني في منفاي وكأنها تقول لي في لمعة الضوء على مائها: أنا الأعرف بأسباب هذا القلق.. إنه الإحساس الكبير بالغربة..

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X