fbpx
المنتدى

العالم يتغير.. والعرب خارج التاريخ

بقلم- صلاح الدين الجورشي: لأول مرة تنقلب الأدوار بهذه الطريقة؛ تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن العولمة الاقتصادية من خلال التخلي عن عدد من قواعدها، في حين تتولى الصين بكل ما يرمز له تاريخها مهمة الدفاع عن حرية الاقتصاد وانسياب السلع؛ وفق القاعدة الرأسمالية الشهيرة «دعه يعمل دعه يمر» .

قد يبدو ذلك أمرًا غير منطقي، ولم يكن واردًا خلال المراحل السابقة إلى أن جاء ترامب ليقلب المعادلة، ويبين أن الاقتصاد مثل السياسة لا يخضع لحتمية غير قابلة للتشكيك أو المساس منه. إن كنت في موقع القوة، فأنت قادر أن تلغي بنفسك الاختيارات والقواعد التي سبق وأن تجندت من أجل الترويج لها وإيهام الآخرين بكونها قوانين «مقدسة» . كما أن موازين القوى هي التي تمنع أو تبيح.

إذا تعلق الأمر بدولة ضعيفة اقتصاديًا، فإنها لن تفكر في مخالفة قواعد اللعبة التي وضعها الكبار؛ لأنها لو أقدمت على ذلك لاعتبرت دولة غبية، وتم إخضاعها لعقوبات شتى لا تستطيع تحملها، ولن يكون أمامها سوى اختيار وحيد؛ وهو التراجع وطلب العفو، والالتزام بعدم التفكير في الانتحار مجددًا.

الأقوياء لا يفكرون إلا في الدفاع عن مصالحهم، لهذا يرددون باستمرار بأن مصالحهم القومية أولا، ويبنون سياساتهم على هذا الأساس، ولا يسمحون لأنفسهم بالتفكير في الأضرار التي يمكن أن تلحق بغيرهم مهما علا شأنهم بسبب ما يتخذونه من إجراءات حمائية قاسية قد تقوض اقتصاديات عديدة وتسبب في خلق مآسٍ لشعوب كثيرة. ولا يهم هؤلاء الأقوياء إن كانت هذه الشعوب تعتبر في القاموس الدبلوماسي عدوة أم صديقة.

ما يهم الإدارة الأمريكية الحالية هو أن تحافظ على ثقة وولاء قاعدتها الانتخابية من خلال ما تحققه من مكاسب لها، ولهذا يشعر ترامب ومن معه بالثقة الزائدة في أنفسهم، حيث لأول مرة يحافظ رئيس أمريكي على نفس نسبة الناخبين الذين صوتوا له رغم مرور ثلاث سنوات على انتخابه. لقد نجح في خلق واقع جديد حين أخرج الاقتصاد الأمريكي من الركود الذي أصابه، ودفع بعجلة النمو نحو الأمام. ولا يهمه بعد ذلك أن يجيب الذين يسألون: على حساب من تم تحقيق هذا التقدم؟ لأنه يعتقد بأن العالم يعيش صراعًا حقيقيًا وشاملاً، وأن كل مسؤول سياسي مطالب بخدمة شعبه بقطع النظر عن ظروف الآخرين.

لا يهم ترامب أن يلتفت على سبيل المثال إلى المملكة العربية السعودية التي تجد نفسها لأول مرة تتحول إلى دولة تبحث عن قروض لمواجهة حاجياتها الداخلية، رغم أنه سبق للرئيس الأمريكي أن زارها قبل فترة، وابتز قيادتها وألزمها بدفع مئات المليارات من الدولارات بحجة توفير الحماية لها. أي أنه دفعها نحو الخصاصة من أجل تمويل سياساته الداخلية والدولية، مثلما كان يفعل الكاوبوي من قبل؛ ينهب الذين يخافون منه حتى يبقى هو السيد.

ولا يكتفي بذلك، بل يتم تشجيع القيادة السعودية على الاستمرار في التورط في المأزق اليمني؛ رغم كل الخراب الذي حصل وحوّل هذا البلد الفقير إلى بؤرة يتجمع فيها العنف والفقر والمرض والجهل. كما لا يهم ترامب أن يزداد الشعب الفلسطيني جوعًا ومرضًا، وأن يعمل على حرمان عشرات الآلاف من الأطفال من التعليم من خلال إيقاف الدعم المالي لمنظمة الأونروا؛ لأن هدفه كسر إرادة هذا الشعب حتى يقبل بالتنازل عن القدس وعن الهوية وعن الدولة وعن العودة، أي أن يصبح بلا وجود، وذلك خدمة لإسرائيل الكبرى وإرضاء لجزء هام من ناخبيه المنتمين إلى الطائفة الإنجيلية المتحالفة مع الحركة الصهيونية.

ما الذي يعنيه كل هذا؟

يعني أن الساحة الدولية تتجه نحو مشهد جديد تحكمه القوة، وتتراجع فيه القيم وحقوق الإنسان، ولا يطبق فيه القانون الدولي على الجميع، وتختنق فيه الدول الضعيفة والمشتتة. وفي هذا المشهد المخيف، يجد العرب أنفسهم مرة أخرى خارج التاريخ والجغرافيا. كل منهم ينتظر منقذه ولكن هذا المهدي لن يأتي..

نقلاً عن موقع «عربي21»

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X