fbpx
المنتدى

عندما تصبح المصالح الاقتصادية أهم من حقوق الإنسان

بقلم – سمير عواد: قائمة إخفاقات وفشل سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طويلة وتؤكدها التقارير الدولية. التدخل العسكري السعودي منذ عام 2015 في حرب اليمن لم يؤد حتى اليوم لإلحاق الهزيمة بجماعة «الحوثي». وحصار قطر منذ الخامس من يونيو 2017 فشل فشلاً ذريعاً أمام صخرة صمود قطر قيادة وحكومة وشعباً وبشكل غير مسبوق. مجلس التعاون الخليجي الذي كان يُعتبر حلماً لشعوب منطقة الخليج أن يصبح قوة يحسب لها العالم ألف حساب، لم يعد موجوداً كما كنا نعرفه. كما أصبحت السعودية «دولة خوف» لأن محمد بن سلمان، يسعى لأن يصبح حاكماً استبدادياً وهو يعتقد أن أي شخص ينتقد قراراته هو «عدو» يجب إقصاؤه واتهامه بالإرهاب لتبرير قرار إزاحته أمام العالم.

للتغطية على هذه الإخفاقات والفشل وجدت الرياض فرصة سنحت أمامها بسبب خطأ فادح اتخذه وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بإعادة الأمور إلى سابق عهدها بين ألمانيا والسعودية، لكن على حساب حقوق الإنسان وهذه سابقة في العلاقات الدولية سوف تتحمل ألمانيا نتائجها واتهام العالم بأنها تفضل المصالح الاقتصادية على حقوق الإنسان. وما جرى أخيراً في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أبرز دليل على ذلك.

فبعد مضي عشرة أشهر على تسبب السعودية بتوتر علاقاتها مع ألمانيا نتيجة طيش ولي عهدها الشاب، والسبب أن الأخير أساء فهم تصريح أدلى به زيجمار جابرييل، وزير الخارجية الألماني السابق في نوفمر 2017 بعد اجتماعه مع نظيره اللبناني جبران باسيل في برلين الذي أطلعه على حقيقة ما يواجه سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني الذي كان حينها تحت الإقامة الجبرية في السعودية ولم يغادرها إلا بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرياض حيث اصطحبه على متن طائرة الرئاسة الفرنسية وعاد به إلى باريس. وحينها حذر جابرييل في ضوء التوتر الذي أصبح يهدد أمن واستقرار منطقة الخليج بسبب قرارات محمد بن سلمان وتدخله بالشؤون الداخلية للبنان من خطر أن تتحول بلاد الأرز إلى «لعبة» بيد السعودية وسوريا ثم حذر حكام المنطقة وحسب تأكيده لم يقصد حاكماً بالذات من القيام بمغامرات. وهذا كان كافياً كي يعتبر محمد بن سلمان أن جابرييل يقصده بالذات خصوصاً وأن وزير الخارجية الألماني السابق حاول التوسط لإنهاء الأزمة الخليجية لكنه اصطدم بعناد ترامب ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد.

ما حصل بعد ذلك معروف للجميع فقد سحبت الرياض سفيرها لدى برلين الأمير خالد بن بندر بن سلطان آل سعود ثم بدأت تحرم الشركات الألمانية من الحصول على عقود جديدة واستخدم السعوديون الشركات الألمانية للضغط على حكومتهم كي تعتذر للسعودية. وبعد عشرة أشهر قبل السعوديون «أسف» وزير الخارجية الألماني الجديد الذي استلم منصبه قبل نصف عام بينما ظل جابرييل يرفض الاعتذار للسعودية التي ظل يؤكد أنه لم يقصدها مباشرة، وقال ماس لدى اجتماعه في نيويورك مع نظيره السعودي عادل الجبير: نحن نأسف لسوء الفهم الذي أدى إلى توتر العلاقات بين بلدينا.

وكأن الرياض كانت تتلهف لسماع أي نوع من التراجع عن موقف جابرييل، واستغربت برلين والمراجع الإعلامية الألمانية كيف أن الرياض ووسائل الإعلام السعودية أطلقت العنان للاحتفال بكلمة «أسف» وكأنها اعتذار رسمي للسعودية قدمته ألمانيا إلى حد أن مجلة «دير شبيجل» الألمانية نقلت قول كاتب سعودي ساهم في إثارة الضجيج الإعلامي وحملة تزييف الحقائق عندما قال «لو كان هتلر موجوداً لأتانا يعتذر».

لكن في الحقيقة ألمانيا لم تعتذر عن شيء لم تفعله، فهي مقتنعة أن جابرييل لم يهن ولي العهد السعودي، ولكن ألمانيا التي تعتمد في كل ثاني فرصة عمل فيها على التجارة مع الخارج، حريصة على عدم خسارة الشركات الألمانية للسوق السعودية. وما زالت كما في السابق، تراقب بقلق كيف يدمر محمد بن سلمان ومحمد بن زايد الأمن والاستقرار في منطقة الخليج.

رغم ذلك فإن بعض المنتقدين في ألمانيا يعتبرون الخطوة الألمانية عبارة عن «ركوع» لولي العهد السعودي لم يأت مفاجئاً لأن ماس خيب أمل زميلته الكندية كريستيا فريلاند عندما زارت برلين أخيراً وطلبت منه إعلان تضامن بلاده مع كندا في خلافها مع الرياض بسبب انتقادها انتهاك حقوق الإنسان هناك. إنها ألمانيا نفسها التي رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استفزازات سياسييها ونبههم إلى استقلالية القضاء التركي الذي بيده قرار معاقبة أو الإفراج عن المتهمين بالمشاركة في الانقلاب الفاشل ضده في صيف 2016. والسؤال الذي يفرض نفسه كيف تنتقد ألمانيا حقوق الإنسان في تركيا وتتنكر تماماً لحقوق الإنسان في السعودية والإمارات والبحرين ومصر؟. وعندما فاز ثلاثة معارضين سعوديين بجائزة «نوبل» البديلة بسبب دفاعهم عن حقوق الإنسان، لم يهنئهم أحد من المسؤولين السياسيين في ألمانيا الذين لا همّ لهم سوى انتقاد أردوغان، ولم يطالب أي منهم النظام السعودي بالإفراج عنهم لأنهم وراء القضبان مثل عدد غير معروف من المعتقلات والمعتقلين في سجون محمد بن سلمان.

إن ما يُستفاد منه هو أن ألمانيا تفضل مصالحها الاقتصادية على حقوق الإنسان سوف ترى أن موقفها يُشكل وصمة عار على جبينها ولا يُسهم في إنهاء حرب اليمن ولا رفع الحصار الجائر عن قطر ولا الإفراج عن المعتقلات والمعتقلين السياسيين في السعودية.

مراسل الراية  في برلين

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X