fbpx
راي الراية

خاشقجي.. الحرية والعدالة الدولية

بقلم – حفيظ زرزان : قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي بعد اختفاء مفاجئ يوم الثاني من أكتوبر 2018 بقنصلية السعودية بتركيا، وهو يهمّ بإتمام إجراءات الزواج من خطيبته التي تنحدر من بلد السيّد سعيد النورسي رحمه الله، قادماً من بلاد العمّ سام، التي اختارها منفًى اختيارياً؛ في سياق إقليمي ووطني ببلده، يعرفه الجميع. واستمرّ الغموض في ملفه أسابيع، تضاربت خلالها الروايات والحسابات وتداخلت وتشابكت المصالح وتكاثرت التصريحات والتسريبات. فما عاد الناس يميّزون بين ناعق وصادق. ولا يهمني أن أثبت وجهة نظر أحد من الناس، في عالم تُباع فيه القيم والذمم علناً، وتذبح الإنسانية أمام الملأ لمن يدفع أكثر وبشكل أكبر، ويطبق الناس أفواههم لأنها مملوءة نفطاً. عالم لا إنساني ظالم غاشم متحيز. في انتظار مستقبل أفضل وأمثل، حيث يسود العدل العالمين، وأملنا ويقيننا راسخ إن شاء الله.

كان يكتب عمود رأي في «الواشنطن بوست»، معبراً عن رأي سلمي ناصع ناصح عقلاني رزين ورصين، وكان يحرص على قوله بشكل هادئ هادف، لم يكن معارضاً، باصطلاح القوم، اليوم. كانت كلمات وزخات تطمح للحرية وتدعو لها لنا جميعاً.

وانقسمت بلاد العرب والغرب بين مؤيد ومعارض، ومستنكر وشاجب، وملتزم بالواجب للصاحب وقضاء المآرب، بضرورة الاصطفاف والالتفاف على القضية، مقابل الأعطية. ومنهم من يحذر من التسييس في محاولة للتدليس. وكانت عينهم جميعاً ومازال البعض منهم، إلى وقت قريب، على الثروات والمشتريات وحصص الشركات العابرة للقارات، وعلى الاستثمارات والحسابات المصرفية، فضلاً عن محورية البلد والولد، المزهو بقدرته وسلطته وسطوته وخفته. كانوا إلى قريب، كغريب، يغضون الطرف عن التجاوزات والانتهاكات والحملات الجارية.

هل سنعيش على وقع تحول جديد بالمجتمع الدولي فجأة، ويغلب المنطق الإنساني المبدئي، ونرى العدالة المنشودة تغلب الجانب السياسي والعلاقاتي البراغماتي؟ وينتصر الناس للمبادئ اعتباراً للمدرسة المثالية كما يسمونها في تقعيدهم للعلوم الإنسانية والاجتماعية، والمدارس التي تناولت العلاقات الدولية بعد انفرادها كعلم قائم بذاته بعد الحرب العالمية الأولى؟

موقفي من هذا الاغتيال واضح، مهما تضاربت المصالح والحسابات والرهانات والامتدادات والروايات وظهرت أو اختفت التحقيقات. فالقتل واحد، ولا أملك إلا إدانته بقوة وبشدة، والمطالبة بالإفراج عن نتائج التحقيق، وأن تأخذ العدالة مجراها والمساطر القانونية مسارها الطبيعي ويتم تحديد المسؤوليات وتوزيع الجزاءات لكل متورّط مهما كان مُستواه.

ولعل الفرصة مازالت سانحة لعدد من «الخاشقجيين» إلى حين، وأعني كل الصحفيين ممن يدفعون ضريبة الكلمة كل يوم بجهد وكدّ وجدّ، أن ينددوا وأن لا يصمتوا في قتل أخ وزميل واغتياله بهذه البشاعة والشناعة. فكل إعلامي وصوت حر وكل حركة تحررية ومشروع مجتمعي جاد سلمي ومسؤول هو «خاشقجي» مع وقف التنفيذ، في بلاد الاستبداد والفساد.

أختم بجزء من حياة الراحل رحمه الله، لعله يخز ضميراً ويحرر أسيراً، وهو مشهد، كان فيه رحمه الله مع ابنته، فشد انتباهي نظم كتبته ابنته اقتباساً من آخرين. خطت على فستانها الجميل في لحظة طفولة وبراءة وصدق، وقد كانت سعيدة بأبيها ولست أدري ما الذي ستكتبه هذه الطفلة اليوم وغداً، وما حال قلبها، وهي لا تدري أن أباها ضاع في ملاعب الكبار وفي موجة الذل الجماعي والصمت على الموت بهذه الطريقة، في أب كانت تطرب عين البنت لطلعته وتنتظم الكلمات لرؤيته. وهل عند كل الناس خبر بحال الموجوعين والمفجوعين في عزيز، وهل كلنا يملك قلباً؟ .. هيهات!، اللهم إليك المشتكى وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X