fbpx
المنتدى

تل أبيب تغازل الخرطوم مجدداً

بقلم: د. خالد التيجاني النور(كاتب وصحفي سوداني)

عاد إلى الواجهة جدل إمكانية التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب إثر زيارة الرئيس التشادي إدريس دبي إتنو المفاجئة إلى إسرائيل منهياً قطيعة بين البلدين دامت 46 عاماً، فقد سارعت وسائل إعلام هناك على تقديم تحليلات لإشارات وردت في ثنايا تصريحات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نوّه فيها بالخطوة التي أقدم فيها رئيس الدولة الأفريقية المسلمة واعتبرها فاتحة لمد العلاقات مع دول أخرى في هذه المنطقة من القارة، وكان لافتاً تركيز وسائل الإعلام على الإشارة بالاسم للسودان.

نأت الخرطوم بنفسها حتى كتابة هذا المقال عن الإدلاء بأي تصريح رسمي رداً على هذه التكهنات، فيما انطلقت وسائط التواصل الاجتماعي السوداني في تداول محموم حول هذه التطورات لتجدد جدلاً قديماً حول جدوى تطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب، لم تخل من بعض الأصوات الداعية صراحة لتشجيع هذا المنحى، وسط تحفظ غالب يرفضها لأسباب دينية وقومية وتشكيك في جدواها. ويأتي الجدل هذه المرة بعد عام واحد من جدل مماثل رافق رفع قضية العقوبات الأمريكية على السودان في أكتوبر من العام الماضي وما إذا كان لإسرائيل دور فيها، فقد تواترت حينها تقارير في الصحافة الإسرائيلية، قبل ستة أشهر من بدء المفاوضات السرية بين الخرطوم وواشنطن فيما يعرف بخطة المسارات الخمسة لرفع العقوبات الأمريكية على السودان، تتحدث عن دور لعبته تل أبيب وذلك بحثها واشنطن على مكافأة الخرطوم بتخفيف الضغوط عليها بعد قطع علاقاتها مع إيران، وتشجيع دول الاتحاد الأوروبي كذلك على تخفيف أعباء الديون التي تثقل كاهل السودان.

وقد أثارت هذه العروض الإسرائيلية حينها تساؤلات كثيرة حول دوافعها وملابساتها، وكان لافتاً تجاهل الحكومة السودانية الردَّ عليها، ومما أثار التساؤلات حينها أن الجدل لم يأت من تلقاء تل أبيب فحسب، بل إن الخرطوم شهدت آنذاك مواقف سياسية غير رسمية، تدعو علانية للتطبيع بين السودان وإسرائيل، وكان لافتاً أنها مثار جدل مفتوح في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ما كسر «التابو» الذي كان يحيط بموقف سوداني صارم من إسرائيل، لم يكن متاحاً فيه ابتداءً ترفُ طرح موضوع للحوار يتعلق بالتصالح مع «الكيان الغاصب» ، دعك من أن يكون قفزة إلى حد نقاش مسألة التطبيع. ويأتي الغزل من تل أبيب تجاه الخرطوم هذه المرة، وقد بدأت للتو محادثات لإطلاق المرحلة الثانية من الحوار الأمريكي السوداني الهادفة بشكل أساسي إلى شطب اسم السودان من اللائحة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب المدرج فيها منذ العام 1993 بتهمة تقديمها الدعم لمنظمات إرهابية دولية في مطلع التسعينيات حين بدت الخرطوم أكثر ثورية وأممية بعد استيلاء «الحركة الإسلامية السودانية» على السلطة بانقلاب عسكري في يونيو 1989- حيث تحوّلت آنذاك إلى موئل لحركات المقاومة، والكيانات الإسلامية والقومية العربية المناوئة لإسرائيل وللغرب، التي تجمعت تحت مظلة «المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي» الذي أسسه الدكتور حسن الترابي في أعقاب حرب الخليج الثانية، التي انحازت فيها هذه القوى ضد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وسرعان ما تبين أن الضغوط الأمريكية- الإسرائيلية المتزايدة على السودان لتغيير سلوكه ووجهته بدأ مفعولها في السريان، بعد إضافته للائحة الدول الراعية للإرهاب، فقد بدأت الحكومة السودانية -ذات التوجه الإسلامي- التراجع تدريجياً عن تبني «النهج الثوري» ، وعن التطلع للعب دوري قيادي لـ «أممية إسلامية» بالتحالف مع «القوميين العرب» ، وسرعان ما أدركت أن تلك مغامرة ستقودها إلى مواجهة غير متكافئة مع الغرب وحلفائه في المنطقة، كما وعت أن الحفاظ على السلطة يقتضي التعامل بـ «عقلانية» مع حقائق موازين القوى الدولية، بعيداً عن الشعارات الحماسية. وهكذا بدأت الخرطوم في تقديم عروض لنسج نهج علاقات جديدة مع الغرب.

وإثر تطور آخر بدأ ظهور تحوّل في الموقف الإسرائيلي تجاه السودان بعد أسابيع قليلة من قطع الخرطوم لعلاقاتها الدبلوماسية مع طهران في 4 يناير 2016، في إطار انتقال محوري في سياسات السودان الخارجية بدأ في سبتمبر 2014 بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية -بعد أكثر من عشرين عاماً من وجودها- بدعوى نشرها للمذهب الشيعي، ثم ما لبث أن أعلن الرئيس عمر البشير انخراط الجيش السوداني في تحالف عاصفة الحزم في مارس 2015.

وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيلية – كشفت في تقرير لها يوم 26 يناير 2016- أن مسؤولين كبارًا في الخارجية الإسرائيلية أبلغوا توماس شانون (وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية آنذاك) في محادثات أجراها في تل أبيب ضرورة تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان، وعزوا ذلك إلى أهمية مكافأة الخرطوم على قطعها علاقاتها مع طهران، ولفتوا إلى أن تهريب السلاح إلى غزة قد توقف منذ بدء التدهور في علاقاتهما، وكذلك برروا مكافأة السودان بانضمامه إلى معسكر «الاعتدال العربي» ، وكان لافتاً طلب المسؤولين الإسرائيليين من شانون أن تقدم بلاده حافزاً للسودان بالاستجابة لطلبه الملحّ بشطبه من اللائحة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

ومع الإشارة إلى أن السودان أصبح -منذ عام 2002- جزءاً من الموقف العربي الرسمي الذي تبنى المبادرة السعودية للتطبيع والسلام مقابل إقامة دولة فلسطينية في حدود عام 1967، وهو ما يعني أنه مستعدّ نظرياً للتطبيع مع إسرائيل في إطار موقف عربي جماعي، إلا أنه مع ذلك ستكون خطوة باهظة الثمن لحكم الرئيس عمر البشير الذي يؤسس مشروع نظامه على شعارات الإسلام السياسي المناوئة للكيان الصهيوني.

[email protected]               

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X