ثقافة وأدب
كتاب ثمين لمفكّرين مغربيين يبحث في أسئلة النهضة

مصير الأمة العربية .. ونهوضها الحضاري مجدداً

لماذا أخفقت النهضة العربية؟ .. السؤال المهمّ للحاضر والمستقبل

ما طبيعة إشكالات النهضة التي اختلفت حولها الدعوات والأفكار والسياسات؟

العقيدة قادرة على إعادة الحضارة الإسلامية إلى مسارها للرقي بالإنسان

العرب الأمة الوحيدة في العالم التي لم تحقّق نهضتها إلى اليوم

التمييز بين الإسلام باعتباره فاعلاً في الحضارة وبين حال المسلمين

احتلال فلسطين وقيام إسرائيل أثرا في مسيرة التقدم العربية

محمد عبده: التمهيد لنهضة العالم الإسلاميّ بالعودة إلى الدين

عمارة: الأفغاني كان ثورياً ومحمد عبده إصلاحيّاً

الأنصاري: الفكر العربي الحديث انشغل بالتوفيق بين الثنائيات

بقلم – جهاد فاضل:

يكتب فصول هذا الكتاب مُفكّران عربيّان كبيران هما الدكتور محمّد وقيدي، والدكتور أحميدة النيفر، وهما مُغربيّان، وعنوان كتابهما يرد بصيغة سؤال وهو: “لماذا أخفقت النهضة العربية؟”، وهو سؤال خطير ومهمّ للغاية لأنه سؤال العرب والأمة العربية، كما هو سؤال الحاضر والمُستقبل. فلعلّ العرب هم الأمة الوحيدة من بين أمم العالم التي لم تحقّق نهضتها ووحدتها إلى اليوم، في حين أن سائر الأمم القديمة والعظيمة قد نهضت وتوحّدت. مسألة النهضة إشكالية عني بها الفكر العربي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد أُعيد طرح هذه الإشكالية مجدداً منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين. ورغم النكسات المريرة التي طبعت تاريخ العرب المعاصر، فما زالت هذه الإشكالية تطلّ برأسها، ولو على خفرٍ، بين وقت وآخر، وما زال الكثيرون يأملون بمستقبل عربيّ مختلف كل الاختلاف عن حاضرهم البائس.

ولكن بداية ماذا نعني بالنهضة؟ وما مقوماتها؟ ومن رجالها؟ وهل كان عصر النهضة فترة زمنية واحدة مُتجانسة من حيث الإشكالات التي طرحها، ومن حيث الاتجاهات الفكرية التي نشأت فيها؟

لماذا بقيت أسئلة النهضة تطرح إلى الآن؟ هل لأن النهضة لم يتحقق منها شيء يُذكر؟ أم لأن الجهود التي بذلها الروّاد الأوائل للنهضة ضاعت سدى؟

ما طبيعة إشكالات النهضة التي اختلفت حولها الدعوات والأفكار والسياسات؟

هل كانت تتعلق بتأخر تاريخي أم هل كان الإشكال على المستوى الثقافي والبيئات المجتمعية والاقتصادية؟

طرق النهضة

لقد أراد بعض روّاد الإصلاح أن ينقطعوا عن التاريخ العربي الإسلامي، وأن يستمدوا شروط النهضة من التراث الحضاري الغربي، بينما رأى آخرون أن الإصلاح لا يمكن أن يتم إلا عن طريق تجديد الفكر الديني الإسلامي أولاً، فأي الطرق نسلك كي نحقق لأنفسنا نهضة توازي ما حققته بقية الأمم.

حركة فكرية

هذا الكتاب الذي يطرح موضوعاً حيوياً يتعلّق بمصير الأمة العربية وإمكانية نهوضها الحضاري مجدداً، وعالجه مفكران عربيان تميزا بدراساتهما الفكرية والأكاديمية الرصينة، نفهم منه أن لفظ النهضة استخدم للدلالة على حركة فكرية عمّت ميادين مختلفة، وكانت قائمة على العودة إلى تراث ثقافي قديم هو التراث اليوناني واللاتيني، ولكن لتجعل منه نقطة انطلاق لإبداع جديد. فالنهضة الأوروبية كانت رجوعاً إلى الوراء من أجل سير أفضل إلى الأمام. وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى المسلمين، ومن بينهم العرب، عندما بدأوا عصر نهضتهم، أو ما اعتبروه كذلك، إذ إنه ارتبط بالدعوة إلى الرجوع إلى أصول وإلى إلغاء كل الوسائط التي وضعها الانحطاط بينها وبين الفكر. لكن هذه الأصول لم تكن بالنسبة إلى المسلمين متمثلة في التراث اليوناني واللاتيني، كما كان ذلك بالنسبة إلى الأوروبيين، بل كانت هي التراث الإسلامي الذي قد يتضمن في جوانب منه موقف المسلمين القدماء من العلوم التي وجدوها عند اليونانيين. وقد كان الهدف أيضاً هو العودة إلى التراث في صفائه مجرداً من كل ما أضفته عليه قرون الركود من طابعها فجعلته تراثاً يقوم على تكرار ليس فيه إبداع. غير أن ما تجدر الإشارة إليه هو أن رجوع المسلمين إلى تراثهم القديم كان بالنسبة إلى مفكري هذا الزمن الذي ندعوه بعصر النهضة عودة إلى قاعدة للانطلاق منها إلى أمام. كان هدف مفكري الإسلام هو البحث عن السبل التي تضمن للعلوم الإسلامية النهوض بعد فترة ركود في الحضارة الإسلامية دامت قروناً.

واجه مفكّرو الإسلام في القرن التاسع عشر الحضارة الأوروبية وهي في أوج ازدهارها. ومن البداية كان هناك تصوران حول الموقف من أوروبا: موقف يرفض أوروبا ذات النزوع نحو الهيمنة والقضاء على حضارات الشعوب الأخرى، وموقف قبول أوروبا ذات النهضة التي أدت إلى تطورات على الصعد الفكرية والعلمية والاقتصادية والسياسية، وهي تطورات نظر إليها مفكرو النهضة الإسلامية بعين الاعتبار.

رسالة التوحيد

عندما نقرأ كتاب محمد عبده “رسالة التوحيد” نجده يجتهد في التمييز بين الإسلام ديناً، وبين الحال التي عليها المسلمون اليوم، ونجده يتساءل عن الأسباب التي قادت المسلمين إلى أن يكونوا اليوم على حال التخلف والركود البادية مظاهرها في حياتهم.

فهو يتساءل: “إذا كان الإسلام أول دين خاطب العقل ودعاه إلى النظر في الأكوان وأطلق له العنان، يجول في ضمائرها بما يسعه الإمكان، ولم يشرط عليه في ذلك سوى المحافظة على عقد الإيمان، فما بالهم قنعوا باليسير، والكثير منهم أغلق على نفسه باب العلم ظنّاً منه أنه قد يرضي الله بالجهل، وإغفال النظر فيما أبدع من محكم الصنع؟ ما بالهم بعد أن كانوا قدوة في الجد والعمل، أصبحوا مثلاً في القعود والكسل؟ إذا كان الإسلام يدعو إلى البصيرة فيه فما بال قرّاء القرآن لا يقرأونه إلا تغنياً، ورجال العلم بالدين لا يعرفه أغلبهم إلا تظنيناً؟ إذا كان الإسلام منح العقل والإرادة شرف الاستقلال، فما بالهم شدّوهما إلى أغلال أي أغلال؟

ويقول الكتاب تعليقاً على أسئلة محمد عبده: إن الاتجاه الذي سار فيه الأستاذ الإمام هو التمييز بين الإسلام بوصفه عاملاً فاعلاً في الحضارة وبين حال المسلمين. فهو لم يكن يعتبر أن سبب تأخر المسلمين يرجع إلى الإسلام المعياري، أي المثالي، بل إنه يرجع إلى الإسلام الاجتماعي الذي خالطت فيه بعض التقاليد المجتمعية الدين وحرّفته. لهذا كله يرى محمد عبده أن التمهيد لنهضة العالم الإسلامي واستعادته لمكانته وإمكان استعادة دوره الحضاري هو العودة إلى الدين، وقد تمّ تخليصه من كل ما علق به في عصر الانحطاط.

الثورة والإصلاح

وكان الإصلاح مقولة تظهر لدى المفكّرين المسلمين، كما لاحظوا في فترات التاريخ المختلفة تراجعاً في حالة المجتمع الإسلامي، ولكن الدعوة الإصلاحية التي انتُسب محمد عبده إلى زمنها في القرن التاسع عشر كانت ذات طابع خاص لأنها وجدت في زمن الغزو الأجنبي، وفي زمن تربص القوى الأوروبية بالعالم الإسلامي من أجل الهيمنة عليه، علماً أن البلدان الأوروبية كانت بفضل ما تحقق لها من تقدم شامل منذ عصر نهضتها في موقع الأقوى، ولأن البلدان الإسلامية كانت بفضل ما تراكم من مظاهر الضعف فيها في عصر تراجعها في حالة الأضعف.

يميز محمد عمارة الطريق الخاص الذي سار فيه محمد عبده مُبرزاً الخصائص التي اتسم بها، مقارناً إياه بأستاذه جمال الدين الأفغاني، فقد كان الأفغاني بنظر محمد عمارة، ثورياً يرى في الثورة الوسيلة الأجدى والأفعل لبلوغ الغاية التي حدّدها لشعوب الشرق في ذلك الحين، وأما محمد عبده فقد كان إصلاحياً يرى أن التدرج في الإصلاح هو الطريق القويم والأكثر ضمانة لتحقيق تلك الغاية نفسها، كما كان يرى أن التربية المستندة إلى الدين “بعد تجديده” بواسطة المؤسسات التربوية الجديدة، بالإضافة إلى المؤسسات العتيقة ذاتها بعد إصلاحها، هي السبيل الوحيد لبلوغ غاية الشرق في التحرّر الفكري والسياسي.

التوفيق بين الثنائيات

مفكّر آخر هو محمد جابر الأنصاري، يرى أن الفكر العربي الحديث لم ينشغل بقضية مثلما انشغل بالتوفيق بين ثنائيات: العقل والإيمان، والعلم والدين، والتراث والمُعاصرة، والدين والقومية القُطرية، والعدل والحريّة، والرأسمالية والاشتراكية والشرق والغرب.

ولم تأتِ هذه النزعة التوفيقية، في نظر الأنصاري من فراغ. فقد كانت النزعة التوفيقية حجر الأساس فيما شهدته الحضارة العربية الإسلامية من فكر كلامي وفلسفي لدى المعتزلة والفلاسفة. ولو أسقطنا هذه الجهود التوفيقية من التراث الفكري للعرب والمسلمين، لفقد هذا التراث أهم ركائزه وأخصب عطاءاته.

وإذا عدنا إلى محمد عبده، وجدنا أن النزعة التوفيقية واضحة في نسقه الفكري، فقد كان من بين القضايا التي طُرحت على مفكّري عصر النهضة الإسلامية الحديثة وعالجها محمد عبده البحث في مدى مُساهمة العامل الديني في حالة التراجع التي عرفها العالم الإسلامي أو إظهار هذه الحالة بوصفها نتاجاً لشروط أخرى غير العقيدة، وقد عاد محمد عبده بهذا الصدد إلى مظاهر نكوص الحضارة الإسلامية وانكسار مسارها ليعمل على الفصل بين ما يعود إلى عوامل كثيرة لعبت دوراً في تشكيل الركود الحضاري للعالم الإسلامي، وبين العقيدة التي لا يُنظر إليها بوصفها عاملاً من هذه العوامل التي لعبت دوراً سلبياً في التاريخ الإسلاميّ.

ولإبعاد كل تصوّر يُرجع انكسار الحضارة الإسلامية إلى عامل الدين، ولإبعاد كل تصوّر يمكن أن يَنظر إلى العقيدة بوصفها عائقاً للنمو المطلوب ولخروج العالم الإسلامي من تأخره التاريخي، فإن محمد عبده كان محاوراً مستمراً لعدد من المفكّرين من البلاد العربية أو من البلاد الأوروبية.

الدور الإيجابي للعقيدة

كان محمد عبده يعود إلى تاريخ الحضارة الإسلامية للبحث عن مظاهر الدور الإيجابي الذي لعبته العقيدة الإسلامية في قيام تلك الحضارة وازدهارها، من أجل الاستناد إلى هذا الدور في تأكيد دور جديد ممكن لتلك العقيدة في الحاضر والمستقبل. فالعقيدة قادرة على أن تكون عاملاً إيجابياً في عودة الحضارة الإسلامية إلى مسارها الذي يَرقى بالإنسان إلى أعلى مرتبة.

يتساءل محمد عبده عن دور العقيدة فينفي عنها أن تكون عاملاً من عوامل تراجع الحضارة الإسلامية، ويرد ذلك إلى المسلمين وتركهم لعقيدتهم، وقد أكّد محمد عبده في “رسالة التوحيد” هذا المعنى عندما تساءل عن حال المسلمين في ضوء ما يدعوهم إليه القرآن من قيم ومعايير للسلوك اليومي وللبناء الحضاري للمجتمع، لذلك يرى أن البحث عن أسباب الركود والتدهور في المجتمع الإسلامي ينبغي أن يكون في أحوال المسلمين ومعايير سلوكهم، لا في العقيدة ذاتها التي ينسب إليها، عن خطأ، كل مظهر للركود أو التقهقر.ولكنّ كثيرين انتقدوا محمد عبده، منهم المغربي الدكتور عبدالله العروي، فمما قاله إنه لم يكن على محمد عبده لكي يحقق التجديد الذي أراده أن يحصر تفكيره في أفق فكر ابن رشد وابن خلدون لآن هذا الأفق كان كذلك بالنسبة إلى زمن آخر، وهو بالضرورة حدّ من تفكيره. كان على محمد عبده أن ينطلق من أفق جديد لكي يكون هذا الأفق مجاوزة لحدود الفكر القديم ووسيلة حقيقية لإنجاز التجديد المطلوب.

تجاوز الأفق

ويرى الباحثان أنّ هذا الأمر يطرح قضية أخرى تتعلق بالنهضة في العالم الإسلامي، فما دام أمر هذه النهضة لا يزال مطروحاً، فإن هذه المسألة لن تتقدّم في طرحها إلا إذا وقع تجاوز الأفق الذي فكّر فيه مفكرو المرحلة الأولى التي كان محمد عبده مثالاً عنها. لقد شكّل هذا الأفق الذي ينتمي إلى زمن آخر حداً لهذا الفكر، ولذلك فإنه يُصبح من الملائم التفكير وفقاً لأفق فكري جديد ووفق شروط اللحظة الجديدة لكي ندرك من خلالها تبدل الوقائع، ولكي نبحث عبر خصائصها في مظاهر تعثر النهضة في العالم العربي والإسلامي على صعيد الواقع والفكر معاً.

احتلال فلسطين وتعثّر النهضة

ويضيف الباحثان عاملاً آخر من حيث تأثيره في مسيرة النهضة والتقدّم في العالم العربي والإسلامي، يتمثّل في احتلال أرض فلسطين وقيام دولة إسرائيل فوق هذه الأرض. وهذه القضية التي بدأت تطوّراتها الأولى منذ النصف الأول من القرن العشرين، أي منذ وعدت الحركة الصهيونية بمنحها أرضاً تحقق عليها مشروعها في إقامة وطن خاص لليهود، استمرّت تتصاعد في النصف الثاني من ذلك القرن، حيث أصبحت دولة إسرائيل قائمة كما أن البلدان الاستعمارية منحتها منذ البداية كل المساعدات التي تجعل منها قوة في المنطقة والتي تضمن عبر ذلك استمرار وجودها.

استغرقت هذه القضية جزءاً من مجهودات البلاد العربية في سبيل بلوغها ما كانت ترومه من نهضة وتقدّم: حروب متعددة وشروط دائمة للحرب المتجددة، لكن الأمر لا يهم البلاد العربية وحدها، بل يهم البلاد الإسلامية أيضاً باعتبار ما تضمّه الأرض الفلسطينية المحتلة من مقدسات تتعلّق بالدين الإسلامي.

وما سلف ذكره لم يسمح للبلاد العربية والإسلامية بأن تتجاوز متناقضات تنميتها بأن تفرض مسارها نحو النهضة الجديدة ضمن توازن للعالم تكون لها فيه المكانة التي يرى العرب والمسلمون أنهم يستحقونها. ظلت جهود التنمية متعثرة بفضل تناقضاتها وإعاقة شروطها بعضها لبعض.

طبيعة الأنظمة السياسية

وهناك عامل آخر ذو طبيعة سياسيّة أثر في مظاهر التعثر في العالم العربي والإسلامي، ومما كان عائقاً من عوائق النهضة التي كانت مطلوبة، يتمثل في طبيعة الأنظمة السياسية في البلدان العربية والإسلامية. فقد ظلت هذه الأنظمة ذات صيغة عتيقة فيما يتعلق بعلاقتها بمجتمعاتها وفيما يتعلق بعلاقة الدولة بالمواطن وبإقامة هذه العلاقات كلها على أساس منظم ومعقلن يدمج في سيرورة المجتمع البعد الديمقراطي.

لم تكن الشروط الواقعيّة للمجتمعات العربيّة والإسلاميّة ملائمة للتطوّر نحو مثل هذه الغاية، كما أن الشروط الفكرية من جهتها لم يكن تسمح للمفكرين بالطرح الشامل لمسألة إضفاء البعد الديمقراطي على مجتمعاتهم. لقد جعلت شروط العالم المعاصر البلدان العربية في حالة طلب مستمر لنهضة كان يبدو دائماً أنها تجد دائماً شروطاً عائقة لها. ولهذا فإن بعض الإشكالات والأسئلة التي طرحت على مفكري هذه المرحلة قد تبدو مماثلة لما طرح في المرحلة الأولى. وقد يظهر الواقع العربي والإسلامي وكأنه لم يحقق أي مظهر من مظاهر التقدّم متوقفاً عند الشروط التي عرفها منذ بداية القرن التاسع عشر.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X