المنتدى

رحلة الـ «7 تريليونات دولار!»

بقلم : جورج علم(كاتب لبناني) ..

قدّم نفسه ككاتب روائي، بأسلوب رومانسي، عندما كشف عن «المخاوف الأمنيّة الكبيرة» التي رافقته خلال زيارته «المُفاجئة» للعراق، معرباً عن حزنه الشديد لحاجته «إلى كلّ هذه السريّة للقاء الجنود الأمريكييّن في الأنبار».

وأشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي «ترك واشنطن ليلاً على طائرة مطفأة الأضواء، إلى أن زيارتين ألغيتا سابقاً بعد تسرّب أنباء عنهما». وقال: «من المُحزن جدّاً عندما تنفق 7 تريليونات دولار في الشرق الأوسط، أن يتطلّب الذهاب إلى هناك كل هذه السريّة الهائلة، والطائرات حولك، وأعظم المعدّات في العالم، وأن تفعل كل شيء كي تدخل سالماً».

إن ما عبّر عنه، يصلح لأن يكون سيناريو لفيلم أمريكي طويل، نظراً لما تفيض به العبارات من توصيف دقيق لتراجيديا سياسيّة فرضت نفسها على أرض الواقع. وقف قبله، يوماً، الرئيس باراك أوباما على مدرج جامعة القاهرة، وخاطب شعوب المنطقة متسائلاً: «لماذا تكرهوننا؟!»، ومضت سنوات طويلة دون أن تدرك الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة الجواب، أو هي أدركته، وتخشى الإفصاح عنه كونه فاضحاً!. وميزة ترامب بأسلوبه الجريء، أنه يسمّي الأشياء بأسمائها، بعيداً عن الكياسة الدبلوماسيّة، وهو الذي فضل «البيزنس» على «الإتيكت»، والمصلحة على القيم، و»الدولار» على المبادئ الإنسانيّة، وموقفه من مقتل الصحافي جمال خاشقجي خير دليل «مئات المليارات التي يستفيد منها الاقتصاد الأمريكي، أفضل بكثير من الرثاء!».

مشكلته أنه أنفق 7 تريليونات دولار، ولم يتمكن من تدجين شعوب المنطقة، ولم يستطع دخول قاعدة «عين الأسد»، في وضح النهار، وعلى صهوة جواد النصر، ومن حوله الجماهير صدّاحة صيّاحة تدعو له بالعمر الطويل!. اعترف بحزن عميق بأن الغطرسة لا تأتي بأساسات متينة تبنى عليها صداقات موثوقة، وتحالفات صافية، بل هي أشبه ببرج قائم على رمال متحرّكة، ينهار مع هبوب أول عاصفة. مشكلته أنه يريد الانسحاب من سوريا، والاستمرار في العراق، من دون أن يقنع وزير دفاعه، بقراره هذا، ولا حتى أقرب المقرّبين منه بجدوى هذه السياسة، ولماذا ينسحب من الصحراء السوريّة، ليستمرّ في صحراء الأنبار؟. إنه لم يقنع أحداً عندما قال: «إن الجيش الأمريكي قد يتخذ العراق قاعدة لشنّ عمليات داخل الأراضي السوريّة»، الأمر الذي استفزّ العراقييّن!.

ربما يعود له الفضل في إطلاق ديناميّة الانسحابات من المتاريس العسكريّة والمعنويّة في الشرق الأوسط. قرار انسحابه المُرتقب من الشمال السوري، قد خلط أوراقاً كثيرة، وأهمل معادلات، وفرض أخرى لم تكتمل مواصفاتها بعد. فجأة أصبحت سوريا قبلة الأنظار، ودمشق درّة العقد العربي. كثيرون انسحبوا من أضغاث أحلامهم إلى الواقعيّة التي فرضت نفسها على أجندات كبار الدول. كثيرون انسحبوا من متاريسهم الأماميّة، وبعد سنوات سبع من الكدّ، والعدّ بالمليارات من الدولارات، لإنجاز الانقلاب، وإحداث التغيير، وفجأة يهرولون باتجاه الأعتاب الدمشقيّة مطأطئي الرأس، يهلّلون، ويرفعون يافطات التأييد، والثناء، والتبريك، ويتلمسون إعادة العلاقات؟!.

هل هذا ما يريده ترامب؟، ربما. أسلوبه واضح لا لبس فيه، لا صدقات، ولا خصومات دائمة، بل مصالح دائمة، وإذا ما اصطدمت المبادئ بالمصالح، فخياره واضح مع المصلحة على حساب المبادئ، وهذا ما دفع بالرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى التروّي في التعاطي مع الشمال السوري الذي تحوّل إلى ميدان مفخخ بألغام مختلفة الأنواع والأحجام، باختلاف الدول والجهات المتورطة، المتنافسة فيما بينها على التفخيخ لاصطياد موقع نفوذ، أو للاستفراد ببئر من النفط والغاز في تلك المنطقة الغنيّة. لقد اكتشف باكراً رئيساً مراوغاً، صاحب مواقف صادمة لكنها متقلّبة، يقول بالشيء ويأتي بعكسه. قال إنه في سوريا لحماية الأقليّات الكرديّة، قبل أن ينقلب عليها فجأة. يقرّر الانسحاب، ويبرّره بالقول إن بلاده لن تبقى شرطيّ الشرق الأوسط، من دون ثمن، وعلى دول المنطقة أن تتدبّر أمرها!، ثم يأتي في زيارة مختلسة تحت جنح الظلام إلى محافظة الأنبار ليعلن بأن قاعدة «عين الأسد» باقية لتكون شرطي المنطقة وتقوم بعمليات في الداخل السوري عندما تقتضي الضرورة. في هذا الوقت تحديداً – وفق الإعلام الروسي – كان صديقه اللدود فلاديمير بوتن يشرب الأنخاب مع كبار المسؤولين بإدارته احتفاءً بمناسبات سعيدة ثلاث: فرح الميلاد، ونجاح تجربة الصاروخ الذي «لا يُقهر»، والقرار الأمريكي باانسحاب من سوريا!.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X