المنتدى

مسؤولية ألمانيا في حرب اليمن

بقلم : سمير عواد(كاتب وصحفي فلسطيني) ..

عندما دخل الصحفي السعودي الراحل جمال خاشقجي قبل ظهر الثاني من أكتوبر الماضي مقر قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول تلبية لموعد حصل عليه من القنصل السعودي لاستلام وثائق طلبها لإكمال معاملة الزواج من خطيبته التركية، حيث كان ينتظره هناك فريق القتل الذي جاء إلى المدينة التركية للإجهاز على خاشقجي إذا لم ينصع لطلب مرافقتهم إلى السعودية، وتنفيذاً لأوامر من أعلى المستويات وبحسب الاستخبارات الأمريكية cia محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، كان مئات العمال الألمان في ميناء مدينة «فولغاست» بألمانيا الشرقية، يقومون ببناء وتجهيز الفرقاطتين الحربيتين رقم 16 و17 لحساب الرياض التي كانت في العام الماضي أهم مشتر للأسلحة من ألمانيا حيث بلغ حجمها خلال الفترة من 2015 إلى 2017 نحو مليار يورو و400 مليون يورو من يناير إلى سبتمبر 2018. علماً أن أبرز شروط تصدير الأسلحة من ألمانيا هو إرسالها إلى منطقة الشرق الأوسط خشية أن يستخدمها العرب ضد إسرائيل التي تشعر ألمانيا بأن لها مسؤولية خاصة تجاهها، أو إذا كانت الأسلحة لحساب بلدان تشهد أو تشارك في نزاعات عسكرية. أما قمة النفاق الألماني فيؤكدها اتفاق حكومة الائتلاف المسيحي-الاشتراكي التي تتزعمها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على عدم تصدير أسلحة إلى دول تشارك في حرب اليمن. وكل ما كنا نسمعه أن تصدير الأسلحة من ألمانيا إلى السعودية والإمارات يتم تنفيذاً لصفقات تم الاتفاق عليها في الماضي. وهذا الهراء لا يعني أن السياسة يجب أن تأخذ مصالح الشعب اليمني على محمل الجد وأن توقف تصدير الأسلحة إلى السعودية والإمارات لحماية أمن وأرواح المدنيين اليمنيين وتدعو إلى حل النزاع بالطرق السلمية.

وكان على برلين أن تتنبه إلى مخالفتها الشروط التي وضعتها بنفسها بشأن تصدير الأسلحة إلى دول خارج نطاق حلف شمال الأطلسي «ناتو»، وتدرك أنها سوف تصبح جزءاً من المشكلة وليس الحل فيما يتعلق بحرب اليمن. وليس سراً أن هذه الحرب لم تكن لتستمر إلى يومنا هذا لولا الصمت الأمريكي والبريطاني المريب، ورغم أن لندن لم تعد تدعم هذه الحرب على الأرض فإنها لا تقوم بأي دور سياسي لوقفها. أما الرجل المثير للجدل في البيت الأبيض دونالد ترامب، الذي يُثير القلاقل في أرجاء العالم منذ استلامه منصبه قبل عامين، فإنه لا يستغل نفوذ بلاده على السعودية وحليفتها الوحيدة في حرب اليمن، دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو الوحيد الذي يستطيع وقفها بمكالمة هاتفية واحدة مثلما يستطيع لو أراد أن يأمر الدول العربية الأربع التي تشارك في الحصار الجائر على قطر أن تُعلن نهاية الحصار وتُفسح المجال أمام حوار بنّاء لإنهاء حالة التوتر في الخليج العربي الذي تسبب به.

وأصبح العديد من المراقبين في ألمانيا يتساءلون علناً إذا ألمانيا تتحمل مسؤولية تجاه مقتل العديد من المدنيين الأبرياء في اليمن الذي باعتراف منظمات إغاثة دولية والأمم المتحدة، أسفرت العمليات العسكرية التي قامت بها السعودية والإمارات في اليمن لم تسلم منها المستشفيات والمدارس والباصات التي تقل التلاميذ عن تحويل اليمن أفقر بلد عربي قبل الحرب إلى منطقة من العصور الوسطى. وبينما سمع العالم بوفاة «أمل حسين» بتاريخ 26 أكتوبر 2018 جوعاً في مخيم اللاجئين في الشطر الشمالي من اليمن، فإن العالم لم يسمع أسماء غيرها من ضحايا الحرب خاصة من الأطفال الذين بلغ عددهم استناداً لمنظمة «أنقذوا الأطفال Save the Children» الدولية، بلغ عددهم منذ عام 2015 أكثر من 85 ألف طفل ليس نتيجة المعارك المسلحة وإنما بسبب الجوع.

واتهام ألمانيا بتحمل مسؤولية تجاه الشعب اليمني لا يأت من فراغ. ويمكن تفسير اتهامها أولا لأن الفرقاطات الحربية التي صدرتها ألمانيا إلى السعودية التي أوصت على ثلاثين فرقاطة حربية، لعبت دوراً في تعزيز الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات على اليمن عن طريق البحر وأصبحت تمنع وصول سفن الإغاثة الدولية لتأمين المساعدات الإنسانية للمنكوبين. أو أن قيام برلين بتصدير الأسلحة والذخائر إلى السعودية والإمارات بشكل غير مسبوق منذ أن دخلا طرفاً في حرب اليمن، قد أدى إلى مقتل حوالي 60 ألفا نتيجة العمليات العسكرية والعنف المفرط بين أطراف الحرب وقد صدرت هذه الأرقام عن المعهد الدولي لأبحاث النزاعات المسلحة acled.

وشعرت برلين بحرج بعدما تم الكشف أن مقتل خاشقجي كان جريمة سياسية وأن محمد بن سلمان يتحمل المسؤولية الرئيسية، وقامت في نهاية أكتوبر نتيجة الضغط الإعلامي بوقف تصدير الأسلحة إلى السعودية لمدة شهرين «فقط»، وبعد أسابيع قليلة تبين أن الدول الأوروبية التي تعمل مع ألمانيا في مشاريع مشتركة لإنتاج الأسلحة، لم تتوقف عن تصدير الأسلحة إلى السعودية.

بحسب الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط ميشائيل لودرز، ارتكبت الرياض خطأ كبيراً في اليمن. إذ بعد إبرام الاتفاقية النووية مع إيران عام 2015 أراد محمد بن سلمان المغامرة بإضعاف إيران عن طريق محاربة «الحوثيين» وظن أن ذلك سوف يكون سهلاً وتبين بعد زجه بلاده في الحرب لعامها الرابع أن حساباته كانت خاطئة، ويتحمل اليوم مع محمد بن زايد ولي عهد الإمارات مسؤولية تدمير اليمن وإلحاق أشد الأذى بشعبه وهدم مستقبل الأجيال اليمنية القادمة وتساعدهما ألمانيا في ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X