قضايا
بعثة «أبولو 8» كتبت تاريخاً جديداً في حياة البشرية

أسـرار أخـطـر مغـامـرة فـي تاريـخ رحـلات الفضـاء

«أبولو8» أول مركبة فضائية مأهولة تغادر الأرض وتدور حول القمر

بعد يومين قطعت خلالهما 402 ألف كيلومتر اندفعت المركبة إلى مدار القمر

البعثة حققت إنجازاً علمياً وهندسياً تاريخياً ووسّعت آفاق التجارب البشرية

اشتعال 4 ملايين لتر وقود خلال عملية الإطلاق يوم 21 ديسمبر 1968

نجاح البعثة مهّد الطريق للهبوط على القمر بعد شهرين من عودتها للأرض

  • معلّق بي بي سي: إنهم جالسون على ما يُعادل قنبلة ضخمة
  • المُغامَرة أثّرت على نظرتنا للأرض ومكان البشر في الكون
  • البعثة كانت مُجازفة محسوبة للوصول إلى القمر قبل الاتحاد السوفييتي
  • الرهبة تملّكت روّاد الفضاء من ضآلة حجمنا جميعاً بالنسبة إلى الكون
  • بورمان: يستحيل أن يكون الكون بضخامته ودقة تنظيمه خُلق من تلقاء نفسه دون تدخل إلهي
  • لو أخفق الإطلاق للعودة للأرض لكانت المركبة لاتزال تدور حول القمر
  • الرواد شعروا أنهم يخضعون لسيطرة قوة هائلة توجههم في الفضاء

 

عواصم – بي بي سي: منذ 50 عاماً، انطلقت بعثة أبولو 8 إلى الفضاء، والنجاح الذي حققته البعثة مهّد الطريق للهبوط على القمر بعد بضعة أشهر من عودتها إلى الأرض، هذه المُغامرة هي الأخطر في تاريخ الفضاء، وقد كتبت تاريخاً جديداً في حياة البشرية، وساهمت في تحقيق إنجاز علمي وهندسي تاريخي ووسّعت آفاق التجارب العلمية.

وهذه أسرار وتفاصيل جديدة عن الرحلة العلمية التي لم تكن مضمونة النتائج وكانت مُغامرة حقيقية.

اللحظة التاريخية

في يوم 21 ديسمبر 1968، وعقارب الساعة تشير إلى 7:50، في قاعدة «كيب كانافيرال» التي يُطلق عليها الآن «كيب كينيدي» بولاية فلوريدا، أحكم طاقم بعثة أبولو 8، فرانك بورمان وجيم لوفيل وبيل أندرس، ربطوا أحزمة الأمان بمقاعدهم داخل مركبة الفضاء التي سيحملها صاروخ ساترن 5، أقوى آلة صنعها البشر على الإطلاق، ولم يعد أمام الطاقم سوى الانتظار، فبعد لحظات قليلة سيشتعل تحتهم نحو 4 ملايين لتر من الوقود، وبحسب معلّق قناة بي بي سي الذي كان يُراقبهم: «إنهم جالسون على ما يعادل قنبلة ضخمة».

القلق كان يعتري الجميع، وكيف لا، وقد أجريت منذ بضعة أشهر تجربة على صاروخ ساترن 5 غير المأهول، وكانت الاهتزازات العنيفة وتأثير قوة الجاذبية بعد الانطلاق بلحظات كفيلة بإنهاء حياة أي شخص على متن الصاروخ.

وبالرغم من أن الصاروخ قد طرأت عليه تعديلات منذ هذه الحادثة، إلا أن وكالة ناسا الفضائية حذّرت زوجة بورمان أكثر من مرة من أن فرص زوجها في النجاة من هذه المهمة لا تتعدى 50 في المئة.

لم يكن أداء صاروخ ساترن 5 هو الهاجس الوحيد الذي يُقلق إدارة ناسا، بل إن بعثة أبولو 8، التي ستمثل قفزة نوعية في سباق الهبوط البشري على سطح القمر، كانت ستقوم بمهام لم تقم بها أي بعثة من قبل.

مُجازفة للتفوق على السوفييت

وكانت أول مركبة فضائية مأهولة تغادر المدار الأرضي، وتدور حول القمر والأولى التي تعود إلى الأرض بسرعة 40000 كيلومتر/‏ ساعة، إذ كانت هذه البعثة مُجازفة محسوبة للوصول إلى القمر، الجار الأقرب لكوكب الأرض، قبل الاتحاد السوفيتي.

تقول تيسل موير هارموني، أمينة جناح أبولو بمتحف الطيران والفضاء الوطني بواشنطن العاصمة: كان قراراً جريئاً لأقصى درجة، فلم يَخف على أحد في وكالة ناسا آنذاك مدى خطورة إرسال هذه البعثة، ولاقت بسببها الوكالة انتقادات واسعة، كان أبرزها من رائد الفضاء البريطاني، سير بيرنارد لوفيل، الذي قال إن الولايات المتحدة تعرّض حياة بشر للخطر.

إلا أن كل هذه التطلعات لم يكن مُخطط لها من البداية، إذ كان الهدف من بعثة أبولو 8 إجراء أول تجربة للوحدة القمرية أبولو في المدار الأرضي، ولكن إنتاج الوحدة القمرية لم يكتمل في الوقت المحدّد، بالإضافة إلى أن وكالة الاستخبارات الأمريكية حذّرت وكالة ناسا من أن السوفييت على وشك إطلاق بعثتهم المأهولة حول القمر.

معركة بالحرب الباردة

يقول بورمان: لم ينتبه الجميع إلى أن برنامج أبولو لم يكن رحلة استكشافية ولا اكتشافاً علمياً، بل كان إحدى معارك الحرب الباردة، ونحن لم نكن إلا مقاتلين في إحدى ساحات معاركها. وبعد أربعة أشهر فقط من التدريب المكثّف، يقول بورمان، الطيّار الحربي السابق، إنه رغم مخاوف رؤسائه، لم يُخالجه أدنى شك في أن البعثة ستنجح. ويضيف بورمان: اضطررنا إلى تغيير خطة البعثة لننفذ الهبوط على القمر قبل نهاية العقد، كما وعد الرئيس جون كينيدي، وفي رأيي، هذه البعثة كانت بالغة الأهمية، لا لأمريكا فحسب، بل للبشر كافة الذين ينعمون بالحريّة في جميع أصقاع الأرض.

وعند تشغيل المُحرّكات وبدء العد التنازلي، ارتفع الصاروخ ساترن 5 ببطء عن منصّة الإطلاق، ثم تسارع تدريجياً لينطلق نحو سماء فلوريدا الصافية. ويقول بورمان: شعرت أننا نتأرجح على رأس إبرة، وكان الضجيج حاداً ومدوياً إلى حد أننا شعرنا أننا نخضع لسيطرة قوة هائلة توجهنا في الفضاء، ولم أشعر أنني أتحكم في أي شيء. ويتذكر قائلاً: في هذه اللحظة تتنفس بصعوبة شديدة، ويكاد يكون من المستحيل أن تتحرّك، ويزداد تسطح مقلة العين ويضيق مجال الرؤية تدريجياً حتى تنعدم الرؤية المحيطة، إنه شعور غريب.

الانطلاق نحو القمر

ولم تكد تمر 8 دقائق حتى أصبحوا في المدار الأرضي، وبعد دورة ونصف حول الأرض شرعوا في تشغيل محرّك المرحلة الثالثة من الصاروخ لينطلقوا نحو القمر، وبعد يومين، قطعنا خلالهما 402 ألف كيلومتر، وفي تمام الساعة 8:55 عشية عيد الميلاد، نفذ بورمان الخطوة الأهم وهي إشعال محرّك وحدة خدمة أبولو لدفع المركبة الفضائية إلى مدار القمر.

ويسترجع بورمان قائلاً: استغرق تشغيل محرّك وحدة الخدمة نحو أربع دقائق لإبطاء عملية الإطلاق بما يكفي للوصول إلى مدار القمر، وبعد أن قطعنا نحو ثلاثة أرباع الطريق، نظرنا إلى أسفل، فإذا القمر تحتنا.

كان طاقم بعثة أبولو 8 أول طاقم بشري يرى هذا الجانب البعيد من القمر أي الجانب الخفي الذي يستحيل رؤيته من الأرض بأم أعينهم.

بين القمر والأرض

ويقول بورمان: لا أظن أن جميع الكتب التي درستها في حياتي قد تؤهلني للعيش على سطح القمر بطبيعته القاسية، فإن سطح القمر وعر إلى حد يستعصي على التصديق، رأيت سطحه مليئاً بالحفر وفوّهات البراكين وبقايا حممها، ولكنه كان مشهداً مثيراً لعالم مختلف.

ولم يندهش الطاقم من منظر القمر فحسب، بل بعد مرور 75 ساعة و48 دقيقة من انطلاق البعثة، لمح أندراس من القمر زرقة الأرض وهي ترتفع فوق الأفق، وفتش في كل مكان عن فيلم ملون لالتقاط المشهد الرائع.

يقول بورمان: كان التناقض بين القمر الكئيب وكوكب الأرض الأزرق البديع أخاذاً، ولاحظنا أن كوكب الأرض هو الجُرم الوحيد الملون في الكون بأكمله، يمكنك أن ترى الغيوم البيضاء والقارات بلونها الوردي الضارب إلى البني، كم نحن محظوظون بالعيش على ظهر هذا الكوكب.

وفجأة تحوّلت البعثة من اختبار خطير لبراعة البشر التكنولوجية وشجاعة روّاد الفضاء، إلى تجربة روحانية أثارت مشاعر طاقم البعثة، وبينما لم تُنشر صورة ظهور الأرض إلا بعد عودة طاقم أبولو 8 إلى الأرض، فإن الطاقم أعد هديّة أخرى لسكان كوكب الأرض احتفالاً بعيد الميلاد في عام 1968.

تقول موير هارموني: قبل انطلاق البعثة، قال مسؤول العلاقات العامة بوكالة ناسا لبورمان إنهم يتوقعون أن يتابع البث التليفزيوني من مدار القمر عشيّة عيد الميلاد نحو مليار شخص، ما يُعادل ربع سكان العالم، وهذا يفوق عدد مستمعي أي صوت بشري آخر على مر التاريخ، وأخبره أن يُعد كلمة مناسبة لإلقائها أمام جمهور المتابعين.

الخالق الأعظم

ويقول بورمان: الرهبة تملّكتني، من مدى ضآلة حجمنا جميعاً بالنسبة إلى الكون. فمن المستحيل أن يكون هذا الكون بضخامته ودقة تنظيمه قد خُلق من تلقاء نفسه من دون تدخل إلهي. غير أن البعثة لم تنته بعد، ففي يوم عيد الميلاد شغّل بورمان المحرّك مرة أخرى ليُغادر مدار القمر، ويقول: نفذنا عملية إشعال المحرّك لدفع المركبة إلى المدار الأرضي عندما كنا على الجانب البعيد من القمر، فلو أخفقت عملية الإطلاق، لكنا الآن لا نزال ندور حول القمر.

العودة للأرض

وفي يوم 27 ديسمبر، عاد الطاقم إلى الأرض، إذ هبطت المركبة بالقرب من الهدف في المحيط الهادئ، وقد كانت نهاية مثالية لبعثة ناجحة، أثبتت أن الرحلات الفضائية إلى القمر ستؤتي ثمارها.

وتقول موير هارموني: لم تحقق بعثة أبولو 8 إنجازاً علمياً وهندسياً تاريخياً فحسب، إنما أسهمت أيضاً في توسيع آفاق التجارب البشرية، وأثّرت على نظرتنا للأرض ومكان البشر في الكون.

أما الكولونيل بورمان، الذي لا يزال يحتفظ بروح المقاتل في الحرب الباردة رغم بلوغه 90 عاماً، فيرى أن الإنجاز الحقيقي لآخر البعثات التي شارك فيها هو تقدُم أمريكا على غريمتها الاتحاد السوفيتي في السباق نحو القمر.

ويقول بورمان: لا أخفيك سراً أنني لم أكترث لإرث بعثة أبولو8، فبعد أن نجحت بعثة أبولو 11 في تنفيذ أول هبوط بشري على سطح القمر، لم أعد أهتم ببرنامج أبولو، إذ شاركت من البداية في البرنامج لأقاتل في إحدى معارك الحرب الباردة، وقد انتصرنا.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق