المنتدى

مبروك لـ قطر الكأس التاريخية.. تحيا العروبة

بقلم : طه خليفـة(كاتب وصحفي مصري) ..

نهنئ قطر قيادة وشعباً على إنجاز الفريق الوطني لكرة القدم لفوزه بكأس آسيا 2019.

هذا انتصار مختلف، ليس تقليدياً ولا اعتيادياً، ليس فقط فوزاً على فرق كبيرة وصولاً للنهائي واقتناص الكأس، إنما انتصار على الظروف غير الطبيعية التي تم فرضها على الفريق طوال البطولة من جانب الإمارات الدولة المستضيفة وعدم السماح للمشجعين القطريين بدخولها لمؤازرة فريقهم.

وفي كرة القدم فإن الجمهور أحد العوامل للفوز، وفريق بلا مشجعين يجعله ذلك يشعر بالنقص في أحد العوامل المساعدة للانتصار، لكن القطريين كسروا هذه القاعدة مثلما كسروا الحصار .

منع الجمهور الذي يحدث لأول مرة في البطولات بالعالم يأتي على خلفية سياسية كجزء من الحصار، وهذا السلوك الممعن في الخصومة ليس رياضياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو أخلاقياً.

وتسييس الرياضة يفسد أهم ما فيها وهو الروح السامية الراقية الشريفة التي تقرب بين الشعوب وبين الأنظمة أيضاً، فالرياضة أخلاق وقيم قبل أن تكون ألعاباً وانتصارات وبطولات، والإمارات لم تخسر الخروج من البطولة على أيدي قطر فحسب، إنما خسرت شعبياً بحرمان منتخب دولة شقيقة وجارة من جمهوره، فلا شيء مهما كان يبرر ذلك.

الفريق القطري كسر هذا النوع الجديد من الحصار، وعوضه الله بجماهير من بلدان شقيقة، ومن جاليات في الإمارات، والجمهور الأوسع كان في الدوحة من المواطنين والمقيمين، كل فرد كان يشجع عن بعد بحماسة، قلوبهم كانت مع الفريق يحفزونه على الفوز مباراة بعد أخرى، وكما لو كان اللاعبون يشعرون بهذه الروح التي تصلهم وتدفعهم للأداء القوي وصولاً للنهائي الذي كان الحلقة الأهم في الملحمة الكروية.

لست ممن يميلون إلى الإسراف في استخدام كلمة التاريخ في وصف أحداث ومناسبات ما لم يكن العمل جديراً بهذا الوصف غير العادي، لأن المبالغة في وصف الأشياء قد تقلل من شأنها لكن باطمئنان وجدارة ما حققه الفريق القطري إنجاز تاريخي لأنها الكأس الأولى التي يفوز بها في البطولة القارية، ولأن الفرق التي واجهته وهزمها حصل عدد منها على الكأس مرات، وتُصنف ضمن القوى الكروية الكبرى في آسيا، وهي اليابان والسعودية وكوريا الجنوبية والعراق، وفي الطريق هزم البلد المستضيف، بجانب الأرقام القياسية التي سجلها اللاعبون. ومن مفارقات القدر أن اثنتين من دول الحصار أقصتهما قطر، وكان لهذا الخروج أثر رياضي وسياسي ونفسي عليهما لأنهما تعاملا مع قطر ليس بمنطق التنافس الرياضي الأخوي النزيه قبل الفوز أو الخسارة، إنما كأنهما تخوضان واحدة من معارك الحصار.

كان ضرورياً تنحية أي خلاف سياسي عن مجريات البطولة وفي التعامل مع قطر، ولو تم هذا فإنه كان سيساهم في صنع مناخ يجنب الرياضة مزالق السياسة ويشيع أجواء طيبة.

سأعكس الوضع وأقول إذا كانت البطولة في قطر، وتشارك فيها السعودية والإمارات أتصور أن الدوحة كانت سترحب بالفريقين، وستوفر لهما سبل الراحة، وستكون الأبواب مفتوحة للجمهور والإعلام، وكان القطريون سيشجعون أشقاءهم في مبارياتهم مع الفرق الأخرى، فماذا لو كانت أبوظبي تركت الأمور تسير على طبيعتها وحصرت الرياضة في مسارها ولم تخلطها بالسياسة، كانت ستقدم صورة جيدة عن التسامح الذي تتبناه أمام العالم، لكنها خذلت هذا التسامح.

والإمعان في محاصرة قطر وصل لمنع إعلاميين مصاحبين للمنتخب من الدخول لمتابعة مبارياته مثل الفرق الأخرى، فهل هذا السلوك منع الإعلاميين من الكتابة عن المباريات؟، لم يمنع، فقد سجل الإعلام بمختلف منابره تجليات الانتصارات وكأن الزملاء متواجدون في الملاعب، فالفضاء الإعلامي المفتوح جعل إجراءات المنع والتقييد من الماضي وبلا قيمة غير أن استمرار ممارستها تكشف عن ضيق أفق.

النتيجة التي حققها العنابي تاريخية حقاً، فالفوز بالبطولة هو الأول له، وهو فوز على ظروف صنعها آخرون لمحاولة التأثير عليه أملاً في خروجه مبكراً، لكنه تغلب على الظروف المعاكسة وفاز بالمباريات بنتائج كبيرة، مما يؤكد أن الانتصارات لم تكن صدفة أو ضربة حظ إنما بسبب التخطيط والإعداد وجهود لاعبين مميزين وفريق شاب متحمس يمثل جيلاً مبشراً لقطر في كأس العالم 2022 التي تستضيفها في حدث يمثل ذروة التاريخ لهذا البلد وللعرب، ومع مواصلة الفريق إعداده وتزايد خبرته في الملاعب فإن قطر الجديرة بتنظيم المونديال ستكون جديرة أيضاً بتمثيل مشرف للعرب فيه مثلما شرفتهم في بطولة آسيا.

أخيراً، الفرح الشعبي في الدوحة مع نهاية صافرة الحكم وإحراز الكأس جاء عفوياً ومن القلب من مختلف الجاليات، والفرح انتشر في العواصم العربية، وهذا يؤكد الروح الواحدة للشعب العربي الواحد الذي لا يعترف بالحدود أو القيود أو الحواجز أو تأشيرات الدخول كما لا يعترف بأزمات السياسة.

مبروك لـ قطر وللعرب، وتحيا العروبة.

          [email protected]         

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X