fbpx
ثقافة وأدب
باحث مغربي يلقي الضوء على جوانب جديدة حوله

حيرة الباحثين تجاه شخصية المعري

مواقف حادّة كثيرة له في «اللزوميات» و«سقط الزند»

هل للمعري كتاب مفقود أملاه على أقربائه قبل وفاته؟

اعترافه بإعجاز القرآن يكشف عن قوة الإيمان لديه

تلا آيات من القرآن ثم صاح وبكى بكاءً شديداً

بتلاوته آية تصف الحشر وإقراره بما ورد فيها ينفي عنه تهمة إنكار البعث

كان يحمد الله على العمى لأنه كفاه رؤية الثقلاء والبغضاء

إجابات الباحثين بشأنه ما زالت متناقضة حتى اليوم

شخصية جدلية لكنها شديدة الغنى والجاذبيّة في تراثنا

قال: الموت وإن أبطأ فإنه لا يخطئ هدفه والخلد مُستحيل

طرح وجهه على الأرض وقال: سبحان من تكلّم بهذا في القدم

بقلم – جهاد فاضل:

إذا كان المُتنبّي قد ملأ الدنيا وشغل الناس، فإنّ المعري يأتي مُباشرة بعدَه من حيثُ الاهتمامُ العامُّ به، ولكنه يتفوّق على المُتنبّي في أمرٍ واحدٍ هو حيرة الباحثين إزاءه، فقد حيّر هؤلاء في إيمانه وعقائده.

فهل هو ينتمي إلى فئة المُؤمنين أم إلى فئة أو فئات أخرى؟ والواقع أنّ الباحث يعثرُ في ديوانه، أو في دواوينه، على ما يؤيّد إيمانه وكذلك على ما لا يؤيده، وكثيراً ما دافع باحث عن إيمانه استناداً إلى عددٍ وافر من أبياته لينبري باحث آخر، بعد حين، يجد في المعري شاكاً أو زنديقاً من الزنادقة، مُستنداً بدوره إلى أبيات كثيرة من شعره، فهل المعري هو الاثنان معاً المؤمن وغير المؤمن؟

يعرض الباحث المغربي الدكتور عبدالفتاح كيليطو لجوانب في هذه المسألة في كتابه «أبو العلاء المعري أو متاهات القول» من أجل أنْ يفصل فيها، ولكن ليزيدها غموضاً وإبهاماً، وليبقى المعري هذه الشخصية المحيّرة، ولكن الشديدة الغنى والجاذبيّة في تراثنا.

يعرض على سبيل المثال لحكاية معبرة أوردها الذهبي منقولة في سند طويل عن القاضي أبي الفتح، وهو أيضاً أحد تلامذة المعري:

«دخلتُ على أبي العلاء التنوخي بالمعرة ذات يوم، في وقت خلوة، بغير علم منه، وكنت أتردّد إليه، وأقرأ عليه، فسمعته ينشد من قيله:

كم بودرت غادة كعاب

وعمّرت أمُّها العجوزُ

أحرزها الوالدان خوفاً

والقبرُ حرز لها حريزُ

يجوز أن تبطئ المنايا

والخلد في الدهر لا يجوزُ

ثم تأوّه مرات وتلا قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ، ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105). ثم صاح وبكى بكاءً شديداً، وطرح وجهه على الأرض زماناً، ثم رفع رأسه ومسح وجهه، وقال: سبحان من تكلّم بهذا في القدم، سبحان من هذا كلامه، فصبرت ساعة، ثم سلّمت عليه، فردّ وقال: متى أتيت؟ فقلت: الساعة. ثم قلت له: أرى يا سيدنا في وجهك أثر غيظ، فقال: لا يا أبا الفتح، بل أنشدت شيئاً من كلام المخلوق، وتلوت شيئاً من كلام الخالق، فلحقني ما ترى. فتحققت صحة دينه، وقوّة يقينه!

على ضوء هذه الحكاية التي يرويها الذهبي في (تاريخ الإسلام)، يكون المعري قد اجتاز، دون أن يدري، امتحاناً كلل بالنجاح، أو محاكمة انتهت بتبرئته.

ولا ننسى أن أبا الفتح قاضٍ. تمّت هذه المحاكمة في غفلة منه، في وقت كان يظنّ أنه وحده بلا رقيب في وقت خلوة. دخل عليه التلميذ بغير علم منه، أي بغير استئذان، وهو شيء منهي عنه، ولا يشفع له شيئاً كونه يتردّد على بيته ويقرأ عليه.

تصرف مشين لا سيما أن الشخص المراقب أعمى، أي عورة حسب المعري الذي كان له سرداب، وكان إذا أراد الأكل نزل إليه وأكل مستتراً، ويقول: الأعمى عورة، والواجب استتاره في كل أحواله. إن ما دعا أبا الفتح إلى اتباع هذا السلوك، هو رغبته في مفاجأة المعري خلال مناجاته لنفسه، وكشف الغطاء عن خبيئة نفسه.

ملقى السبيل

الأبيات الثلاثة التي ينشدها المعري، وهي من كلمه في (ملقى السبيل) تتحدّث عن الموت الأعمى الذي لا يميز بين الصغير والكبير، الموت الذي يضرب خبط عشواء فيصيب الفتاة بل قبل أمّها العجوز. عمل والدا الفتاة كل ما في وسعهما من أجل حفظها وصونها، ولكن الموت أفشل حساباتهما فاختطف الفتاة، هذه الفتاة التي ستُصان أي صون في القبر. ويختم المعري حديثه بملاحظة أن الموت، وإن أبطأ، فإنه لا يخطئ هدفه، وأن الخلد مُستحيل.. أبيات حكمية يمتزج فيها التعجب بالخضوع، والإنكار بالاستسلام، مع ما تنطوي عليه من سخرية مريرة. فكأنها تطرح سؤالاً دون الإجابة عنه، أو كأن الإجابة مُعلقة، مما يترك الانطباع أن خطاب أبي العلاء يقف عند حاجز صلب وعقبة عنيدة!

الخروج من الطريق المسدود تؤديه الآية القرآنية التي تلاها المعري. فهي تجيب عن السؤال المطروح وترمم ما في الأبيات من نقصان. إن ما يتحيّر منه يكتسي معنى جديداً عندما يوضع في سياق النص القرآني: الحياة لا تنتهي بالموت، فهناك الحشر وما يتلوه من ثواب وعقاب. فالآية، بهذا المعنى، تمنح المعري، ما يفتقر إليه من سكينة ووعد بالخلاص. إنها تعين المخرج من الورطة التي تشكلها «المنايا» وترشد إلى المنفذ الذي ينهي الحيرة ويضع حداً لليأس..

بتلاوته لآية من القرآن الكريم تصف الحشر، وبإقراره بما ورد فيها، ينفي المعري عنه تهمة إنكار البعث التي وجهها إليه خصومُه.

ثم إن في الحكاية شيئاً ينبغي تفحصه، فهي تصور المعري وهو يصيح ويتأوّه ويبكي ويطرح وجهه على الأرض كأنه يستعطف أحداً ويتوسّل إليه.

إنه سلوك المذنب أو الجاني الذي يتوقّع العقاب ويسعى جاهداً إلى دفعه بإعلان التوبة وبالإذعان إلى الحقّ. لكن وجه الغرابة في هذا المشهد أن المعري لا يعلم أن القاضي أبا الفتح يراقبه ويتتبع حركاته وسكناته، فلا حاجة له والحالة هذه إلى القيام علانية وجهاراً بدور التائب. التلميذ كان في حيرة من أمر أستاذه، والمقصود من حكايته أن يعلم مخاطبه كيف تجاوز الارتياب وتيقّن من صحة إيمان المعري. فقبل أن يعاينه وهو يبكي مقرّاً بإعجاز القرآن، كان يشكُ في عقيدته. وبعد المعاينة لم يبقَ له أدنى شك. إنها حكاية تذكرنا بالمنامات التي تحدّد مصير الموتى في الآخرة. فهي مبنية على حوار شبيه بالحوار الذي يدور بين راوي المنام والشخص الذي فارق الحياة والذي كان معروفاً باعتقاد محل شبهة. وهكذا نجد فيها سؤالاً ضمنياً: هل كان المعري صحيح الدين قوي الإيمان؟ يأتي الجواب على شكل اعتراف منه بإعجاز القرآن.

بين الجهر والسرّ

في فصل آخر من كتاب عبدالفتاح كيليطو عنوانه (بين الجهر والسر)، يتتبع الباحث جانباً آخر في المعري، فيقول إن المعري يؤكّد أكثر من مرة في (لزوم ما لا يلزم) أنه يخفي جزءاً مما يعلم، وأن لديه سراً لا يود أو لا يستطيع إفشاءه:

ولدي سرّ ليس يمكن ذكره

يخفى على البصراء وهو نهار

وأيضاً:

بني زمني هل تعلمون سرائرا

علمت ولكني بها غير بائح

وهكذا فإلى جانب ما يصرّح به ويعلنه، هناك ما يسكت عنه ويكتمه. فلماذا لا يذيع الأسرار التي يزعم أنه بها عليم؟ لأن الكلام خطير وقد يؤدّي إلى الحتف:

واصمت فإن كلام المرء يهلكه

وإن نطقت فإفصاحٌ وإيجاز

إن إلحاحه على أنه يخفي ما يعلم قد يعود إلى كونه يخشى أن لا يبصر القارئ ما يريد قوله حقاً، أي ما لم يقله بصفة جلية صريحة. ولهذا يحرص على لفت انتباهه، داعياً إياه إلى نهج قراءة تكشف عما لم يكتبه، أو عما كتبه بين السطور. إنه في نهاية الأمر يطالب بقراءة حذرة، يقظة، مرتابة:

ومن تأمل أقوالي رأى جُملاً

يظل فيهن سرُّ الناس مشروحا

على أن الكتابة بين السطور ليست بطبيعة الحال وقفاً على المعري.

وهناك من تفحّص خاصياتها عند فلاسفة كالفارابي وابن ميمون وسبينوزا. إنها على العموم تفترض تداول كتاب ما بين صنفين من القرّاء: قرّاء الصنف الأوّل لا يرون فيه إلا عرضاً موافقاً ومطابقاً للآراء الشائعة، أما قرّاء الصنف الثاني فيلمحون فيه شيئاً مختلفاً لأن لهم طريقة في القراءة لا يمتلكها الآخرون. فهم مثلاً يتنبهون لتناقضات المؤلف ويتجنبون عزوها إلى نقص أو خلل في نمط استدلاله، خصوصاً عندما يشير المؤلف نفسه إلى احتمال وجودها، كما فعل المعري في (اللزوميات):

ويعتري النفس إنكار ومعرفة

وكل معنى له نفي وإيجاب

«اللزوميات» و«سقط الزند»

طبعاً للمعري مواقف حادّة كثيرة معروفة يعثر عليها المرء في «اللزوميات» وفي «سقط الزند» وسواهما من أعماله، ولكن ما هو غير معروف هو كتاب وأده أقرباؤه فور إملاء المعري له في الأيام الأخيرة التي سبقت وفاته دون أن يعلم أحدٌ محتواه، وكل ما ذكر بشأنه أنه منافٍ للصواب.. وخبر الكتاب كما يذكره كيليطو هو الآتي:

كثيراً ما ينسب إلى عظماء الرجال قول وجيز نطقوا به قبيل وفاتهم، قول بليغ عميق يصير رمزاً لحياتهم، وخلاصة لأدبهم وحكمتهم. فما هي يا ترى كلمة أبي العلاء الأخيرة؟ نعرف أنه أوصى أن يكتب على قبره:

هذا جناه أبي عليّ

وما جنيتُ على أحد

ولكن وصيته هذه – رغم ما فيها من قوة تؤهلها لكي تكون كلمة الختام- صدرت منه على الأرجح وهو صحيح معافى لا يتوقع موتاً وشيكاً، فلا يمكن اعتبارها والحالة هذه قولاً نهائياً فاصلاً.

والظاهر أنّ كلمته الأخيرة قد سُلبت منه سلباً. فيبدو أنه قبل أن يُسلم الروح مباشرة، أملى كتاباً لم يبلغنا، بسبب رقابة الأقرباء. ذلك ما نستشفّه من خبر أورده القفطي:

وكان مرضه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع، ولم يكن عنده غير بني عمه، فقال لهم في اليوم الثالث: اكتبوا فتناولوا الدوي والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب. فقال القاضي أبو محمد: أحسن الله عزاءكم في الشيخ، فإنه ميّت. فمات في غداة غده.

الكتاب الأخير

أملى أبو العلاء وهو طريح الفراش كتاباً لا نعرف عنه شيئاً سوى أن ما جاء فيه «منافٍ للصواب» فرأى بنو عمّه أن من واجبهم إتلافه أصلاً في الوقت الذي استرخى فيه وحلّ عقدة الرقابة الشّديدة التي مارسها طيلة حياته على هواجسه ووساوسه، حيث كانت الكتابة عنده صراعاً عنيفاً مع ما لا تجوز كتابته ومالا ينبغي قوله، ومجهوداً شاقاً متواصلاً لصدّ ما يتعارض مع الصواب وإقامة سد منيع دونه، وإذا بذويه يقومون بكبت أقواله الأخيرة وطمسها، مُعتبرين إياها هذياناً لا يجوز بحال من الأحوال صيانته ونشره بين الناس.

ترى لو أملى المعري كتابه لغير الأقرباء، لو أملاه للتبريزي أو لأبي الفتح اللذين كانا من مريديه المتردّدين عليه، أكانا أقدما على إتلافه ؟ مهما يكن، فإنه كتابه الأخير رغم بعده عن الصواب، كما ارتأى أقرباؤه. ولا يسعنا إلا أن نستغرب كيف أن من ترجموا له لا يذكرونه في قائمة مؤلفاته. ومن يدري، لعله قد باح فيه بسرّه الدفين. ولعلّ هذا الكتاب الغريق هو المفتاح الذي نفتقده للخروج من متاهات أبي العلاء.

كل ما تقدّم هو عن آراء المعري ومواقفه، وهي كثيرة كما هي مُثيرة ومُتناقضة أيضاً فماذا عن المعري نفسه؟

متاهات القول

يضمّ كتاب (متاهات القول) فصلاً عن أبي العلاء نعلم أنه كان يقول: أنا أحمد الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر. فقد صنع لي، وأحسن بي، إذ كفاني رؤية الثقلاء والبغضاء، ومعلوم أنه فقد البصر في صغره بسبب الجدري، وذكر عنه أنه قال: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر، فإني ألبست في مرض الجدري ثوباً مصبوغاً بالعصفر، فأنا لا أعقل غير ذلك، وكل ما أذكره من الألوان في شعري ونثري إنما هو تقليد الغير واستعارة منه.

فالوجود أحمر بالنسبة إليه، ومن حسن حظه كشاعر أن الكلام بلا لون..

وقد وصفه أحد زوّاره، فقال: دخلت على أبي العلاء وأنا صبي فرأيته قاعداً على سجادة لبد وهو شيخ، فدعا لي ومسح على رأسي، وكأني أنظر إليه الساعة، وإلى عينيه، إحداهما بادرة والأخرى غائرة جداً، وهو مجدّر الوجه، نحيف الجسم، هكذا كان يراه الناس، فكيف كان ينظر هو إلى نفسه؟

يقول كيليطو إنه من أجل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي التوقف بداية عند كتابَين من كتبه، أبطالهما حيوانات، ويتعلق الأمر بالقائف وبرسالة الصاهل والشاحج.

القائف

ألّف المعري كتاب القائف على منوال كليلة ودمنة. ولم تصلنا منه إلا حكايات قليلة جاءت على ألسنة الحيوانات، نقرأ في الأولى: حضرت النملة الوفاة، فاجتمع حواليها النمل، فقالت لهن: لا تجزعن، فقد دخرت عند الله ذخيرة من دخر مثلها جدير بالرحمة، وذلك أني لم أسفك دماء قط. ليس في هذه الحكاية إشارة إلى العين، إلى عاهة المعري، ولكنها تومئ إلى امتناعه عن أكل اللحم واقتصاره على ما تنبت الأرض.

الحكاية الثانية، تتحدّث عن حية رقشاء كانت تسري في الظلام لأكل فراخ طير من الطيور، ثم كفت في آخر عمرها فلزمت الوجار لا تذعر النائي ولا الجار.

فقدت الحية بصرها فلزمت جحرها كما لزم المعري بيته ولم تعد تؤذي فراخ الطير أي لم تعد تسفك الدم.

ونجد أيضاً هذا التورّع، أو بالأحرى العجز عن سفك الدم، في الحكاية الثالثة: عمي أسد من عوام الأُسد، فأضر ذلك به، فقيل له: لو جئت ملك الأُسد فسألته أن يصلك، لكان ذلك رأياً لك. قال: اجتزئ بنبت السحاب ولا أفتقر إلى الملك والأصحاب، وغني عن البيان أن اكتفاء الأسد الأعمى بالنبات وقناعته بقليل خيره، وامتناعه الصارم عن نوال الأمراء والأصحاب، خصال عُرف المعري بالتمسّك بها.

الصاهل والشاحج

أما في رسالة الصاهل والشاحج فإننا لا نجد مجموعة من الحكايات، وإنما حكاية واحدة مبنية على حوار بين فرس (الصاهل) وبغل (الشاحج). وتشترك في الحوار أيضاً حمامة فاختة، وجمل وضبّ وثعلب ولكن الحيوان الأقرب إلى أبي العلاء في هذه الحكاية هو البغل، وذلك لعدة اعتبارات. فرعم أنه عرضة للسخرية والاحتقار من جانب خاله الفرس، فإنه بطل الحكاية دون مُنازع. فهو من البداية إلى النهاية محبوس الحكاية لا يبارح مكانه قرب بئر يعمل طول النهار على تصعيد الماء منها، بينما الحيوانات الأخرى تظهر وتتجاذب معه أطراف الحديث ثم تذهب لحال سبيلها.

لكن الأهمّ من هذا أن المعري صور البغل (معصوب العينين) لا يبصر شيئاً، ويتمنّى متحسراً لو أن عيناً تطلق من السجن الدائم فتبصر الوضح.

إنه بالحجاب المشدود على عينيه وبارتباطه بمكان معين لا يفارقه، شبيه بالمعري، رهين المحبسين يعني حبس نفسه في المنزل وترك الخروج منه وحبسه عن النظر إلى الدنيا بالعمى. وفضلاً عن كون البغل يقتات بالنبات دون سواه، فإنّه عقيم غير مخصب، ولعل هذا ما يقربه أكثر من المعري الذي يكره الإنسال ويعتبره شيئاً فظيعاً!.

عمى المعري

ترد الإشارة إلى عمى المعري كثيراً عند الحكم على اعتقاده، فالباخرزي يقول عنه: وعندنا خبر بصره والعالم ببصيرته والمطلع على سريرته. الباخرزي معتدل في تقييمه فلا يبادر إلى تكفيره أو النيل من مُعتقده، إنه لا يدعي الاطلاع على حقيقته، ويترك الحكم عليه لخالقه. وعند تأويل كلامه يستنتج منه أن قرّاء المعرى عميان بمعنى من المعاني، لأنهم لا يبصرون سريرته ولا يرون خبيئته، وإلى معنى غير بعيد من هذا يذهب المعري حين يقول في اللزوميات:

أنا أعمى فكيف أهدي إلى

المنهج والناس كلُّهم عميان

أما الذين يدّعون رؤية ما تكنّه الضمائر، فلقد كانوا يعيرون المعري بعماه المزدوج:

عمى بصره وبصيرته ومن بينهم الخضر الموصلي الذي قال عنه:

خزاك الله من أعمى لعين

بصيرته تناهت في عماها

ويروي ياقوت أنه سأل شميما الحلي عمن تقدّم من العلماء، فلم يحسن الثناء على أحد منهم، فلما ذكرت له المعري نهرني، وقال لي: ويحك كم تسيء الأدب بين يدي! من ذلك الأعمى حتى يذكر بين يدي في مجلسي، فقلت: يا مولانا ما أراك ترضى عن أحد ممن تقدم. فقال : كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يرضيني. قلت: فما فيهم قط أحد جاء بما يرضيك؟ فقال: لا أعلمه، إلا أن يكون المُتنبي في مديحه خاصة، وابن نباتة في خطبه، وابن الحريري في مقاماته، فهؤلاء لم يقصروا!.

من الصعب معرفة سبب كراهية شميم الحلي لأبي العلاء. هل كان يعتبره أديباً مقصراً؟ ليس هذا مستبعداً، لا سيما أن لا أحد يرضيه، ما عدا ثلاثة من المُتقدمين اعترف بقيمتهم، وإن كان بطرف لسانه وبشيء من التساهل والتنازل: لم يقصروا

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X