fbpx
المنتدى

بين معارك الديمقراطية .. وتحالف الطغيان

بقلم : طـه خلـيفـة(كاتب وصحفي مصري) ..

لا شيءَ واحدًا في مؤسّسات الحُكم العربية، يمكن أن تجدَه مشابهاً أو مماثلاً لنظيره في مؤسّسات الحكم الغربية، أو في الديمقراطيات أيًا كان مكانها في العالم.

أتابع بإعجاب وحسرة في آن، ما يجري من صراع ديمقراطي في البرلمان البريطاني «مجلس العموم»، بشأن اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، الإعجاب من رقيّ الممارسة الديمقراطية، والحزن لافتقاد بلادنا لمثل هذا النوع من الممارسة تمامًا.

هناك في لندن، تدور معركة سياسية ديمقراطية حرّة نبيلة وشرسَة، هدفها ضمان توفير كل ما يمكن من حقوق ومصالح للشعب البريطاني في أي اتفاق للخروج، وحتى الآن ورغم الجلسات الطويلة الصاخبة، التي يعقبها تصويت عام لم يوافق المجلس على الخطة الرئيسيّة للحكومة، ولا الخطّة المعدّلة، وعلى تريزا ماي رئيسة الحكومة مواصلة عملها المُرهق بتطوير خطتها ومقترحاتها، لإقناع البرلمان بالتصويت عليها بالموافقة، كما عليها بالتوازي مواصلة المحادثات مع الاتحاد الأوروبي، للوصول إلى تفاهمات بشأن قضايا الخروج، وحل الإشكالات القائمة، ومحاولة تمديد تاريخ الخروج المقرر 29 مارس الجاري ليكون باتفاق.إنها عملية شديدة الإرهاق، عليها وعلى وزرائها المعنيين بالمسألة، وعلى أعضاء البرلمان من حزبها (المحافظين) ومن حزب المعارضة الرئيسي (العمال)، والأحزاب الصغيرة الأخرى في دراسة الخطط والاتفاقيات المعروضة عليهم وتحديد أين مواطن الخلل والسلبيات والأضرار فيها، ثم تحديد توجّهات التصويت.

من ينظر إلى تريزا ماي (63 عاماً مطلع أكتوبر المقبل) وهي تخوض المعارك على جبهات متعددة، سواء حكومتها، أو حزبها الحاكم، أو البرلمان، أو الاتحاد الأوروبي، أو الشارع البريطاني، فإنه سيجد علامات هذه الجبال من الهموم المتواصلة ليلاً ونهاراً ظاهرة على وجهها وهيئتها، وأنها تبدو كما لو كانت كبرت في العمر نحو عشر سنوات عما كانت عليه منذ توليها رئاسة الحكومة قبل ما يقرب من ثلاثة أعوام.

متى تجد هذه السيدة المُقاتلة وقتاً لتستريح، متى تأخذ إجازة، كم ساعة تنامُها وهي في خِضَم عمل وحركة دائبين -مثل المكوك- لإدارة شؤون الدولة، وبحث الملفات اليومية الداخلية والخارجية، وأهمها ملف الخروج الأكثر جدلاً وتأزّماً، ومتى تتحرر من عبئه وتنجزه وتتنفس الصُعَداء وتصل لاتفاق يُرضي شعبَها والبرلمان والاتحاد الأوروبي، ليكونَ ذلك يوم الراحة الحقيقي لها؟.

من تجنّب كل هذه المتاعب هو ديفيد كاميرون رئيس الوزراء السابق، الذي جرى استفتاءُ الخروج في عهدِه وخسره ليستقيل مساء اليوم نفسه، ويذهب إلى بيته وأعماله الخاصة، ويترك هذا الإرث الثقيل إلى تريزا ماي، التي حلت مكانه في قيادة حزب المحافظين ورئاسة الحكومة لتجد نفسها في دوامة لا تنتهي منذ هذا اليوم وحتى يتم إنجاز الاتفاق النهائي. وإذا نجحت الضغوط المكثفة لحزب العمال المعارض، في دفعها لانتخابات مبكرة لتجديد الثقة الشعبية المهتزة فيها فقد تخسر الانتخابات هذه المرة، وتخرج هي وحزبها من حكم بريطانيا لصالح السياسي العنيد طويل البال جيرمي كوربن رئيس حزب العمال.

هل يمكن مقارنة برلمانٍ عربيّ ببرلمان بريطانيا؟.

هذا من نوع الأسئلة الساخرة، أو من نوع الأسئلة المستحيلة الحدوث في المرحلة الحالية على الأقل، فالبرلمانات العربية ليس لها من عمل المؤسسات التشريعية غير الاسم فقط، ولا أي وجه لمقارنتها مع مجلس العموم البريطاني، ولا مجلس النواب الأمريكي، ولا الجمعية الوطنية في فرنسا، ولا البوندستاج الألماني، ولا أي برلمان في بلدان الاتحاد الأوروبي، أو خارجه في الديمقراطيات حول العالم.مؤسسات الحكم العربية شكليّة فقط وللزينة، المؤسّسة الفعّالة هي السلطة التنفيذية، وبقية السلطات أفرُع تعمل في خدمتها، والأصل أنّها مستقلة، و المدهش أنه منصوص على استقلاليتها في البلدان التي لديها دساتير، لكنها نصوص نظريّة لا تعني في الواقع شيئاً، فالحكم غير ديمقراطيّ، الأنظمة على اختلاف أشكالها وطبيعة شرعياتها تتمحور حول الحاكم الفرد، فلا يوجد الحاكم الديمقراطيّ، ربما تونس استثناء وحيد حيث أنقذت نفسها من العصف بتجربتها الديمقراطية الوليدة، ومع هذا فلا تزال قلقة وغير مستقرة وهشة وفي مهب الرِّيح من أطراف خارجية تربصت بالربيع العربي وساهمت في إفشاله خشية وصول رذاذ الديمقراطية إلى شعوبها وبلدانها.

فوارق السياسة والثقافة الديمقراطية، والحريات، والوعي والعقل والقوة بين العرب والغرب هائلة، وهي لصالح الغرب، طريقان لا يلتقيان أحدهما حكم سلطويّ استبداديّ هنا، والآخر حكم شعبيّ ديمقراطيّ هناك.ولهذا فإن تبعية الحكومات العربية والإسلامية للغرب ظاهرة مؤسفة، اعتماد شبه كامل على الغرب سياسياً واقتصادياً وحضارياً وتكنولوجياً وعسكرياً وأمنياً، وقرار التابع لا يصدر باستقلالية وطنية، إنّما وُفق ما يريده المتبوع، ويتم توجيهه حسب مصالحه ومجالات استفادته، وإلا فإن غطاء الحماية ينكشف.أكثر مناطق العالم اعتماداً على قوى خارجية هي المنطقة العربية، وأكثر القوى حضوراً وسطوةً واستفادة من العرب هي أمريكا وأوروبا، والقوى الكبرى الأخرى الصاعدة تتحين الفرصة لتتغلغل بحثاً عن مصالحها أيضاً، وأبرزها روسيا والصين، خيرات المنطقة ليست لشعوبها إنما للغُرباء، بسبب ديكتاتورياتٍ تحتكر السلطة وكل جهدها أن تبقى على عروشها، مهما قمعتْ وأفقرتْ شعوبَها ورهنت مقدرات بلدانها لقوى الخارج.لا خروج من هذا الانحطاط التاريخيّ الطويل المدمر المهين إلا بالديمقراطية والحكم العادل الرشيد وإعلاء قيمة الإرادة الشعبية، واختيار حكام مُنتخَبين بنزاهة، وانتخاب برلمانات تمثل الشعب حقاً، وتدافع عن مصالح الناس، ومؤسسات حكم مستقلة تتنافس في خدمة المواطنين، مثل التنافس الذي نراه في بريطانيا وأمريكا وفرنسا وألمانيا وفي كل الديمقراطيات.

العربيّ والمسلم لا يقل عن الأوروبيّ في شيءٍ، من حقه أن يستردّ آدميتَه وكرامتَه وحقَّه في الاختيار، إنّما المشكلة في تحالف الطغيان المتحكم في سلطات الحكم الذي لا يريد القطيعة مع الماضي المظلم، كما حدث في أوروبا والغرب.

[email protected]                   

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X