المنتدى

عن سمير والحياة والموت أكتبُ مساحته الأسبوعية

بقلم : طه خـليفـة(كاتب وصحفي مصري) ..

رحلَ الزّميلُ والصّديقُ والأخُ سمير عواد عنِ الدُّنيا قَبلَ عدّةِ أيّامٍ، تاركاً الحُزنَ وألمَ الفراقِ وراءَهُ. هَكَذَا الطّيّبُونَ يرحلُونَ. وهَكَذَا يرحلُ الجميعُ. ويَوماً مَا لنْ يوجدَ عَلَى الأرضِ مخلوقٌ حَيٌّ. “لمَنِ الملكُ اليومَ، للهِ الواحدِ القهّارِ”، إنَّها واحدةٌ مِنْ آياتِ القرآنِ المُعجزاتِ للبشريّةِ. مَنْ يقدرُ عَلَى التّحدّي والبقاءِ فِي الدُّنيا؟، لَا أحدَ. مَهْمَا بلغتْ قُدرةُ الإنسانِ فِي رجاحةِ العقلِ وعمقِ التّفكيرِ والنّبوغِ والابْتكارِ والاخْتراعِ والقْوةِ البّدنيةِ فإنَّهُ لَا يستطيعُ كسبَ تحدِّي البقاءِ الأبديِّ، ولَا حتَّى يومٍ واحدٍ عَلَى عُمُرِهِ المُقدرِ سلَفاً مِنْ قَبلِ مولدِهِ، بَلْ مِنْ قَبلِ أنْ يلتقِيَ والداهُ فِي الحياةِ.

 سنواتٌ طويلةٌ مِنَ التّعاملِ بَينِي وبَينَ سمير، كانَ كاتباً ومُحلِّلاً مُتميّزاً ومُخلِصاً يميلُ إلَى إشباعِ القارئِ بِمَا يكتبُهُ مَهْمَا بلغتِ الإطالةُ ومَهْمَا حشدَ فِي سطورِهِ مِنْ خلفيّاتٍ وأحداثٍ قديمةٍ كانَ يرَاها ضروريّةً لمزيدٍ مِنَ الْإيضاحِ والتّنويرِ والتّثقيفِ.

 كانتِ السّياسةُ الألمانيةُ بالنسبةِ لهُ مثلَ كتابٍ مفتوحٍ بسببِ الفترةِ الطّويلةِ الّتِي عاشَها فِي هذَا البلدِ الّذِي أحبَّهُ كثيراً، لكنّهُ فِي نفْسِ الوقتِ كانَ عاشقاً لوطنِهِ فلسطينَ، كَانَ قابضاً عَلَى فلسطينيّتِهِ مِثلَ القابضِ عَلَى الجَمْرِ، كانَ ينتظرُ يومَ العودةِ الّذِي يستطيعُ فيهِ مُعانقةَ ترابِ فلسطينَ التاريخيّةِ الّتِي لَا تسقطُ مِنَ الذاكرةِ ولَا تنمحِي مِنَ الخرائطِ مَهْمَا غيّرَ وبدّلَ فِيهَا الاحتلالُ ومَهْمَا أزالَ مِنَ الْمعالمِ والشّواهدِ التّاريخيّةِ وأخفَى مِنْ الحقائقِ الوجوديّةِ للأرضِ النّديّةِ وتغوّلَ عَلَى الأرضِ واستوطنَ ومارسَ التّهويدَ فِي القُدسِ العتيقةِ الجميلةِ وفِي المُقدّساتِ إسلاميّةٍ ومسيحيّةٍ وفِي التراثِ والعمرانِ ليزيلَ كلَّ معلمٍ وأثرٍ وشاهدٍ عَلَى فلسطينَ الأصلِ الّتِي لا تزولُ أبداً لأنَّهَا محفورةٌ فِي الوجودِ ومنقوشةٌ فِي القلوبِ وراسخةٌ فِي العقولِ.

 رحلَ سمير جسداً لكنَّهُ يبقَى رُوحاً طيبةً طاهرةً مُحبةً للخيرِ والسّلامِ والنّاسِ جميعاً، كَانَ ودُوداً لطيفاً، نشأَ بينَنَا تفاهمٌ فِي عَلاقةِ العملِ وتفاهمٌ شخصيٌّ، ظلَّ مُستمرّاً، ونقاشٌ كانَ هدفُهُ ترقيةَ مساراتِ العملِ لمُواصلةِ إشْباعِ وإمْتاعِ وتثقيفِ وتنويرِ قارئِ الراية بأفكارٍ ومُعالجاتٍ جديدةٍ ومُبتكرةٍ.

 كانَ نبأُ وفاةِ سمير مِثلَ صدمةٍ كهربائيّةٍ، كَانَ أمراً خارجَ الاستيعابِ والتّصديقِ لبعضِ الوقتِ، وهَكَذَا دوماً مَعَ أنباءِ رحيلِ الأحبّةِ مِمَّن نعرفُهُم، استغرابٌ ودهشةٌ، رُغمَ أنَّ الموتَ أحدُ حقائقِ الحياةِ المُؤكّدةِ الّتي لَا فِكاكَ مِنهَا، لكنَّ الإنسانَ يتناسَى دوماً الموتَ فكرةً وواقعاً سيحدثُ حتماً وسيصيبُ الجميعَ بلَا استثناءٍ، لكنَّ لكلِّ حيٍّ وقتَهُ وميقاتَهُ المعلومَ، وسبحانَ الحيِّ القيومِ الَّذِي لَا يمُوتُ.

 اليومَ وأنَا فِي العقدِ الخامسِ مِنَ العُمُر، ربَّما لَا أصدّقُ أنَّ السّنواتِ مرّتْ سريعاً، داهمَتْنِي دونَ أنْ أدْرِيَ، كأنَّ العُمُرَ قدْ سُرقَ مِنّي، ثمَّ استفيقُ عَلَى حقيقةِ أنَّ الفرحَ بمرورِ يومٍ، ومقدمِ آخرَ جديدٍ هُوَ خصمٌ مِنَ العُمُرِ، خاصةً لَمَنْ كانَ مُغترباً، ينتظرُ يومَ إجازتِهِ كلَّ أسبوعٍ، وموعدَ إجازتِهِ كلَّ عامٍ بصبرٍ وشوقٍ، وهُوَ لا يدرِي أنَّه فِي حالةِ الانْتظارِ هذِهِ يتواصلُ خصمُ الأيّامِ والشّهورِ والسّنواتِ مِنَ العُمُرِ، وأنَّهُ يدنُو بالتّدريجِ الهادئِ مِنَ المُستقرِّ الأخيرِ للجسدِ فِي دُنيا الفناءِ، وَمِنْ بدْءِ أُولى مراحلِ قيامتِهِ.

 غالباً كانتْ لَدَى سمير خٌططٌ وأفكارٌ بلَا سقفٍ للحياةِ، لكنَّ القدرَ لا يعترفُ بخيالِ الإنسانِ الجامحِ والمُتخطِّي لفكرةِ الموتِ، والطّامحِ إلَى الخلودِ فِي دُّنيا غيرِ خالدةِ، وهَكَذَا نحنُ جميعاً،  وهَكَذَا كلِّ مَنْ سبقَ ورحل إلَى النّهايةِ المحتومةِ، لا أحدَ يفكِّرُ فِي الموتِ، وَلَا مُفاجآتِهِ، إنَّما التفكيرُ فِي الحياةِ والبناءِ والاسْتثمارِ فِيهَا، وهذَا لَا شيءَ فِيهِ، بلْ مشروعٌ أنْ يُساهمَ كلُّ فردٍ فِي إعْمارِ الأرضِ حتّى تستمرَّ الحياةُ وتكونَ مُريحةً لساكنِيهَا، إنَّما عَلَيهِ إدراكُ أنَّ عمرانَ الأرضِ لا يجبُ أنْ يتفوقَ عَلَى عمرانِ الآخرةِ، وأنَّهُ يوماً مَا قريباً أو بعيداً سيغادرٌ هذَا العمرانَ وزخرفَ الحياةِ، فمَاذَا أعدَّ للمُغادرةِ النّهائيّةِ؟، الواعِي مَنْ يجعلُ أعمالَ الدُّنيا مِنْ أجْلِ الآخرةِ بأنْ تكُونَ فِي الْخيرِ والمفيدِ والصالحِ والإنسانيِ.

 كانَ بَينِي وبَينَ سمير تواصلٌ هاتفيٌّ مُستمرٌّ، والْتقيتُهُ مرّةً قبلَ 16 عاماً، تناولْنَا خلالَهَا غداءً جماعيّاً ضمَّ العديدَ مِنَ الزّملاءِ الأعّزاءِ، وكَانتْ لَنَا لقاءاتٌ أُخرَى جانبية شخصيّةٌ وجماعيّةٌ، كلُّ هذَا صارَ ذكْرَى، اليومَ، بعْدَ رحيلِهِ المُباغتِ المُفجعِ، رحيلٌ إلَى عالمٍ آخرَ أفضلَ لأنَّهُ فِي رحابِ الْخالقِ.

 رَقدَ جسدُ سمير فِي قبْرِهِ، وذَهَبَتْ رُوحُهُ إلَى عالمِ الآخرةِ، والدّعاءُ إلَى اللهِ أنْ يشملَهُ بلطفِهِ وعفوِهِ ومغفرتِهِ ورحمتِهِ، وأنْ يجعلَهُ فِي جنّاتِ عدنٍ، وأنْ يكُونَ لقاؤنا جميعاً فِي جنانِ الرّحمنِ مَعَ كلِّ الراحلينَ مِنَ الْأهلِ والْأحبّةِ.

 

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X