المنتدى

بومبيو.. و «التوطين»

بقلم: جورج علم(كاتب لبناني) ..

تذوّق الكبّة، والتبولة، واستمتع وزير الخارجيّة الأمريكي مايك بومبيو مع زوجته، بالمناظر الطبيعيّة، وزار قلعة جبيل التاريخيّة، وترك اللبنانييّن في حالة اختلاف، فيما «صفقة العصر» تترك تداعيات مُؤلمة على وطن الأرز.

حمل معه سلّة طافحة بالشروط. الصفّ اللبنانيّ مشاغب. والأستاذ الأمريكي مُتكبّر مُتجبّر، لا يدخل إلاّ ومعه أدوات الترهيب، والترغيب. «حزب الله إرهابي، ويشكّل خطراً على لبنان ومُستقبله، وعليكم كلبنانيين التصدّي له»، إنها دعوة الى حرب أهليّة، قد يُعرف متى تبدأ، لكنّ أحداً لا يعرف متى، وكيف ستنتهي؟!. قال إن إدارته «مستعدّة للتوسّط على ترسيم الحدود النفطيّة في البحر بين لبنان وإسرائيل، شرط التفاهم مع تل أبيب؟». لو كان اللبنانيّون قادرين على التفاهم مع إسرائيل، لانتفت الحاجة إلى وساطة العم سام. ثم ما الجدوى من هذا العرض الذي يقدّمه، إذا كان يبدأ وينتهي بالرضوخ إلى الشروط الإسرائيليّة؟!. قال إن»النازحين السورييّن يجب أن يعودوا، ولكن بعد التوصّل إلى تسوية سياسيّة في سوريا»، في حين أن التقارير الرسميّة تتحدّث عن 200 ألف ولادة في العام 2018. ولو تأخّر الحل الدولي 10 سنوات، فهذا يعني أن عددالسورييّن سيفوق مجموع اللبنانيّين، فهل هذا هو الخيار الأمثل لمُستقبل لبنان؟!.

غادر بيروت مُنشرحاً، وما أن أقلعت طائرته، حتى غرّد معبّراً عن «سعادته، وحسن الضيافة التي لقيها، وزوجته، مُشيداً بكرم اللبنانييّن!». غادر، بعد أن ألقى الدرس الذي حضّر له جيداً في تل أبيب، وطلب من المشاغبين استخلاص العبر؟!. لم يكن ساحراً، بل ضليعاً مُتمكّناً حلّ بين جمع من الأغبياء، ودفع بهم إلى نقاش عبثي حول عناوين كانت مطروحة قبل الزيارة، وزادت تعقيداً بعدها.

إنها عمليّة إلهاء موصوفة، لتمرير «صفقة العصر» بأقلّ الخسائر الممكنة. إنها الجولة الثانية له في المنطقة في غضون أسابيع قليلة، وعمليّة الإلهاء لا تقتصر على اللبنانيين، بل على الآخرين، كلّ الآخرين، المعنييّن بهذه «الصفقة» بشكل، أو بآخر. وبواكير العمليّة الإلهائيّة ظهرت عندما أقنع الأمريكي الأصدقاء والحلفاء في المنطقة بأن إيران هي العدو التاريخي للعرب والمُسلمين، وليست إسرائيل الدولة الديموقراطيّة التي تسعى إلى تطبيع علاقاتها مع جيرانها بسلاسة، ووئام؟!. ويحاول الآن التوسّع بعملية الإلهاء من خلال إقناع أهل العزم على الانخراط بحلف «ناتو» إسلامي – عربي – إسرائيلي لمُواجهة إيران، في الوقت الذي لا يحرّك قواعده العسكريّة المُنتشرة في المنطقة؟!.

ما يريده، هو تمرير «صفقة العصر»، وسط فوضى عارمة في العالم العربي حول ملفات خلافيّة. انطلق قطار التنفيذ عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب بأن القدس هي عاصمة أبديّة لإسرائيل. وقضت المحطّة الأولى بنقل مقرّ السفارة الأمريكيّة إليها. أما المحطة الثانية فكانت بإعلان إسرائيل دولة قوميّة لليهود، ولا مكانَ فيها للآخرين. والثالثة كانت بالإعلان عن ضمّ الجولان السوري المُحتل إلى السيادة الإسرائيليّة. أما الرابعة فكانت في بيروت عندما وصل القطار تحت يافطة «لا مكان لعودة اللاجئين في أدبيات الصفقة؟!».

أما المحطة الأبرز فستظهر وقائعها في شهر أبريل المُقبل، وبعد أن تجري الانتخابات العامة في إسرائيل، وتشكّل حكومة جديدة، عندها سيأتي صهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنير، مع فريق عمل مُتخصص، للمُباشرة بوضع الخطط المرسومة موضع التنفيذ. وما يدعو للخوف والقلق، أنّه وفي كلّ مرّة كان يجتاز قطار «الصفقة» استحقاقاً، وَفق المسار التنفيذي المرسوم له، كانت تصدر بيانات الشجب، والاستنكار، والتهديد، والوعيد، ولكن من دون أي أثر رادع أو معطّل، فالقافلة تمضي!.

اجتمع بومبيو في بيروت، بقيادات، وفعاليات من مُختلف الاتجاهات، ولم يحدّثه أحدٌ عن «صفقة العصر»، ومصير نصف مليون فلسطيني، ينتظرون العودة إلى ديارهم منذ العام 1948، ويتوزّعون حالياً على 13 مخيماً، هي أشبه بجزر معزولة عن سلطة الدولة. لا سمع، ولم يُسمع، بل راح يستثمر بالعصبيّة المذهبيّة، ويلهي اللبنانييّن بالصراخ والضجيج حول ملفات أساسيّة كاللاجئين السورييّن الذين تحوّلوا إلى قضيّة ديموغرافيّة مصيريّة، أو الغاز والنفط في المياه الإقليميّة، أو بالتحريض ضدّ حزب الله!… أما لماذا ضد الحزب تحديداً؟. فلأنه ضد «صفقة العصر» عن بكرة أبيها، ولأنّ تقارير وكالة الاستخبارات المركزيّة الأمريكيّة تفيد بأنه الميليشيا الوحيدة القادرة والمتمكّنة على مواجهة هذا المشروع الأمريكي – الإسرائيلي، أقلّه فيما يتعلّق بتوطين اللاجئين بلبنان؟!.

                   

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X