fbpx
المنتدى

عن قانون حماية اللغة العربية

بقلم : توجان فيصل (كاتبة أردنية) ..

إصدار قطر قانونا لحماية اللغة العربية حفزني لكتابة مقالة مؤجلة منذ سنوات بمزاحمة أحداث سياسية آنية لها. ولكون المستشار محمد الخفاجي قد عرض -في مقالته المنشورة على هذا الموقع الأسبوع الماضي- ملخصا لمواد القانون، بما لا يلزم معه سوى التنبيه من خطأ لغوي انتقل كالعدوى بين صحف عدة، وهو مشكلة «النصب». فبعض الكتاب باتوا مؤخرا «ينصبون» بكثرة ما لا ينصب حسب قواعد اللغة. والسبب أن بعض الكتاب غير ملمين بقواعد اللغة قدر إلمامهم بموضوع اختصاصهم، فيعولون على المحررين كي يتولوا تلافي أي خطأ لغوي أو طباعي ورد في مقالاتهم. ولكن تكرار هذا الخطأ وإهماله، وأحيانا تصحيح الصواب بـ»نصب خطأ، أدى لتزايده بظن أنه الصواب. وهذه عينة من خطأ شائع قد يؤدي لغيره. فيسيء تراكم الأخطاء للغة التي توجّب إصدار قانون يحميها ويعاقب من يتقاعس عن تلك الحماية.. ولكن حتما ليس على جزئية «إعراب».

قراءة القانون ضرورية. ولكن غالبية الناس لا تحب الغوص في النصوص القانونية. ولهذا سأتوقف عند ثلاثة آثار هامة للغاية تؤشر على ضرورة تبني هكذا قانون عربيا: الأول سياسي بحت، والثاني علمي، والثالث، أثر هذا على الهوية الجمعية العربية، الثقافية والاجتماعية والتاريخية بكل مكونات التاريخ قديمه ومعاصره ومستقبله.

وللتأشير على الأثر الأول، السياسي المحض، أتناول كعينة المادة التي تنص على أن «اللغة العربية هي لغة المحادثات والمفاوضات والمذكرات والمراسلات التي تتم مع الحكومات الأخرى والهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية والمؤتمرات الرسمية، مع إرفاق النص باللغة الأخرى لتلك الجهات. وتعتمد اللغة العربية في كتابة المعاهدات والاتفاقيات والعقود التي تعقد بين الدولة والدول الأخرى، والهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية، ويجوز اعتماد لغة أخرى، على أن ترفق بها ترجمة إلى اللغة العربية.

هنا نذكر هنا بأنه لو اعتمد العرب هذا في الاتفاقيات التي وقعت مع إسرائيل، وعرّف في ضوئها معنى «الأرض» التي ستعاد مقابل السلام بأنها «الأراضي المحتلة» من قبل إسرائيل بعد قرار التقسيم الدولي عام 1947، كون قبول إسرائيل بهذا القرار هو السند الدولي الوحيد لقيام دولة إسرائيل الذي اعتمد دوليا بتلك الحدود. واستعادة تلك الأرض هي مما كان يزعمه المفاوضون العرب، ضمنا وبتعميم مموه غالبا، وأحيانا بتحديد غير صادق حين يواجهون بقيادات شعبية واعية.. أو أقله إعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، في تفسير كان معتمدا للقرار الدولي رقم 242 حين جرت تلك المفاوضات، والأهم حين وقعت تلك المعاهدات وجرى النص فيها على قبول كافة أطراف تلك المعاهدات الالتزام بذلك القرار.

فلو جرى اشتراط اللغة العربية باعتبارها المعتمدة ممن يجري صلحا مع المعتدي المحتل (صفة إسرائيل الرسمية دوليا حينها) وليس النسخ الإنجليزية لتلك الاتفاقيات، لما أمكن اللعب على فارق لغوي متعمد وظف بخبث في تفسير القرار 242. فحذف «ال» التعريف ممكن لغويا (ولكنه ليس محتما) في النص الإنجليزي، فيما هذا الحذف يستحيل لغويا في النص العربي الذي لو اعتمد لأصبح الانسحاب المدعوم بذلك القرار والمنصوص عليه في الاتفاقيات الثلاث هو من «الأراضي المحتلة» وليس أية قطعة أو قطع من «أراض محتلة»!

وللتأشير على الأثر العلمي للقانون القطري، نورد المادة التي تلزم “الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التابعة للدولة بالتدريس باللغة العربية، إلاّ إذا اقتضت طبيعة البرامج الأكاديمية تدريسها بلغة أخرى، وفقاً لما يقرره مجلس أمناء الجامعة أو وزارة التعليم والتعليم العالي، بحسب الأحوال». فالتعليم هو لاكتساب العلم «ولو في الصين». وبما أن العلوم الأهم كالطب والعلوم المدرجة تحت مسمى «هندسة» وعلوم الفيزياء وغيرها.. وصولا لأحدث تطورات تلك العلوم واكتشافاتها وحتى أبحاثها وتجاربها الجارية، أصبحت متوفرة فقط في بضع لغات عالمية نتيجة فارق حضاري لسنا بحاجة لتبريره. فهو مبرر بدلالة أن مصطلحات تلك العلوم التي راكمتها الإنسانية تأتي من تسميات أقدمها إغريقي وبعضها الذي تلا عربي، فيما الاكتشافات أو وسائلها أو تطبيقاتها المستجدة، يسميها المكتشفون وتعولم فورا كما هي ولا تترجم. لا بل إن تطبيقات بعض العلوم المعتمدة على تواصل بين أمم مختلفة ومشاركة فورية حساسة بل وخطيرة (كالملاحة الجوية والبحرية) اعتمدت لها دوليا لغة واحدة هي الإنجليزية. والنص في قانون حماية اللغة العربية القطري على الاستثناء الواجب لدى تدريس بعض العلوم، يحول دون الوقوع في شرك التخلف العلمي بانتظار ترجمة ليست سهلة كونها تتطلب إلمام المترجمين بدرجة عالية بلغتهم العربية وبلغة المكتشف العلمي، وبـ «العلم» موضوع المادة المترجمة.

مهمة «التعريب» بحدود أقل من هذا، وفي محاولة ترجمة تسميات وليس نصوصا علمية بحاجة لدرجة عالية من الدقة، جرت تجربتها وفشلت حين لم يكن العرب مقتتلين كما هم الآن. ولكن حتى الترجمة لا تفيد الآن، فمتابعة المستجدات في الحقول العلمية يلزمها تلاقح وتبادل خبرات تدريب ومشاركة في مؤتمرات، لا يمكن أن يستفيد منها من لا يتقن لغة أو حتى لغات أخرى لشعوب متقدمة في حقل اختصاصه.

أما الأثر الثالث فهو مقرب لي بدرجة أن شكل عبارة المدخل لرسالة ماجستير لي في الأدب ووسائل الاتصال وصولا لأحدثها.. ولهذا سأتركه لمقالة أخرى لأوفيه حقه كموضوع قائم بذاته ذي صلة وثيقة بهذا القانون.

                   

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X