fbpx
المنتدى

الاستثمار في العيش بدل القتل

بقلم : توجان فيصل (كاتبة أردنية) ..

عديدة هي الانقلابات العسكرية على ثورات ناجحة لربيع عربي مدني، لم تنج منها سوى تونس التي صمدت لكون الحبيب بورقيبة كان أرسى بنية قوية لمؤسسات مجتمع مدني لم يستطع ابن علي إضعافها.. فلماذا وقفتنا هنا عند الحالة السودانية، ولماذا الشك بكون الغرب- وأمريكا بالذات -الذي سبق وتصدرت بعثاته التحقيق في مجازر دارفور وقام بإدانة البشير وطلبه لمحكمة الجنايات الدولية، يقف وراء محاولة الانقلاب العسكري المستجد في السودان على ثورة شعبه الموحّد بدرجة اضطرت ذات العسكر لتنحية البشير؟ لماذا نرى أولوية «عربية» في أن لا يقع السودان ثانية تحت حكم العسكر؟

للإجابة على هذا نعود ليس فقط لبداية كل ثورات ربيع العالم العربي، بل لبدايات استعماره الحديث. ومع أن نفط العرب وموقع العالم العربي الاستراتيجي أكثر من موقع أية أمّة أخرى، هما سببان رئيسان لاستهدافه واقتسامه، بل وتوارثه بين القوى الاستعمارية الغربية.. إلا أن هنالك ثروة أخرى أهم تقف وراء ثورات التحرير العربية، وصولا لثورات الربيع العربي التي وعت ضرورة الديمقراطية كضامن لحق العيش بمعناه الفسيولوجي، وليس فقط للحقوق السياسية المتقدمة.

ونبدأ من كلمة «عيش» التي إذ تعني «الخبز» عند إخوتنا المصريين تعبر بدقة عن حقيقة ثورات شعوبنا وقبلها شعوب أخرى في العالم. فالخبز، أي القمح، هو الغذاء الرئيسي في العالم العربي، وتاريخيا في محيطه بما يشمل أوروبا وبعض غرب آسيا. تؤكدها مقولة السيد المسيح «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، كما يؤكدها ما ورد في رواية «البؤساء» التي وصفت حال أوروبا قبل ثورات ربيعه، من أن بطل الرواية سجن لسرقته «رغيف خبز» لإطعام أيتام من أهله. والمقولة الغربية عن المعيل لا تزال تعني «محصّل الخبز». فيما في وسط وشرق آسيا، يأتي الأرز في هذه المرتبة، ولهذا فإن التعبير في اللغة الصينية -الموازي للتحية العربية التي تسأل «كيف حالك» أو «كيف الصحة»- ترجمته الحرفية هي «عندك أرز؟».. فيما الأرز يعتبر ترفاً لدى الشعوب العربية وتشي به مقولة «العز وأكل الرز». ومصر تصدّر الأرز ولكنها تستورد القمح. فالخبز لدى الغالبية الساحقة من العرب هو المكون الرئيس للوجبات الثلاث، يغير طعمه فقط بما يغمس فيه. وأسعار الخبز و»رفع الدعم» الحكومي عنه كما يقال في الأردن، أو تدهور حاله بحيث يخلط بـ»الزلط» كما اشتكى إخوتنا المصريون، يقف وراء ثورات شعبية أطاحت بحكومات أو حتى بأنظمة حكم استهانت بمعاناة شعبية لم تعد تقتصر على ما يسمى بالقواعد الشعبية.. فجرح كبرياء طبقات أخرى باتت «مفقرة» ومجوّعة عزز تلك الثورات ورفدها بنخب مؤهلة عالياً.

وجرح الكبرياء له عمق سياسي تاريخي مؤثر في واقع الحال المتمرد على الغرب. وكمثال، المعونات الأمريكية للأردن – بعد أن أورثت بريطانيا انتدابها المنهار إثر الحرب العالمية الثانية لأمريكا- بأكياس الدقيق التي تحمل صورة يد أمريكية تصافح أخرى أردنية، وعيت في طفولتي ورغم غياب الديمقراطية، على اعتبارها -من قبل معارضين وحزبيين في العائلة- تجسيداً للتبعية واليد العليا مقابل اليد السفلى.. والغضب كان مضاعفاً عند القواعد التي كانت تضطر لاستعمال قماش الكيس المطبوع بتلك الصورة لخياطة ألبسة، داخلية في معظمها تحاشياً لظهور ضرورات الخضوع المضاعف.

وهو خضوع مستمر كون أمريكا هي المصدّر الرئيس للقمح في العالم إلى جانب كندا وأستراليا، وانضمت لهؤلاء مؤخراً روسيا وأوكرانيا.. فيما العالم العربي هو الأكثر استيراداً للقمح، إذ تجاوز ما يستورده ربع الصادرات العالمية بدايات العقد الحالي، وقد يكون قارب الثلث حالياً. وبما أن أمريكا تخوض حرباً تجارية عالمية، جلها لصالح الصهيونية، لا يستبعد أن توظف حرب الخبز بوسائل عدة، بدءاً بوقف معوناتها العينية من القمح (الفاسد على الأرجح)، ووصولا لرفع أسعاره عالمياً مما يمكن أن تجر له استراليا على الأقل، ما سيرفع سعره دولياً في النهاية.. بكل ما سيقوده هذا من تداعيات على «العيش» العربي.

هنا تأتي أهمية السودان الذي تقول التقارير العلمية أنه قادر بتربته وثروته المائية (المطر الهاطل عليه يقارب نصف ما يهطل على العالم العربي كله وهذا غير حصته من مياه النيل وثروته من المياه الجوفية) على إنتاج أكثر من حاجة العالم العربي من القمح. فالسودان يمتلك 19.5 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، ويقول خبراء إن تخصيص سبعة ملايين هكتار منها لزراعة القمح سيفي بحاجة العالم العربي. يضاف لهذا قدرة السودان على إنتاج الأعلاف وتربية المواشي لتوفير كامل حاجة العالم العربي من لحوم العجول ونصف حاجته من لحوم الخراف والماعز..أي أنه «ليس بالخبز وحده» ستمد السودان العالم العربي، بل وباللحوم التي لا تتاح لغالبية أهله.. والأهم بالكرامة الوطنية.

والكرامة وحدها ثبت أنها قادرة على تطويع الطبيعة حتى حيث يفترض أن تلك الطبيعة لا تسعف. قبل شهرين كنت في زيارة للدوحة عدت منها منتشية، ليس فقط بالسياحة التي لم يكفني أسبوعان للتمتع بكل ما توفر منها.. بل بجولة كان يتجاذبني فيها ابنتي وصهري (العارفين باهتماماتي الأعمق من السياحة) بين رفوف السوبر ماركت بما لم يترك سلعة غذائية لم يقلبوها ليبينوا لي أنها باتت تصنع في «قطر»..غير المصنفة بكونها أرضاً زراعية، فماذا لو استثمر العرب فائض أموالهم في إحياء أرض السودان، بدل تمويل المزيد من القتل فيه؟

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X