fbpx
المنتدى

«مروة قاوقجي».. انتصار ولو طال الزمن!

بقلم : سَليم عزوز(كاتب وصحفي مصري) ..

لا أعتقد أن النائبة السابقة بالبرلمان التركي «مروة قاوقجي»، جال بخاطرها لحظة طردها من البرلمان، بتهمة ارتداء الحجاب، أنها ستعيش حتى يتحقق لها الانتصار على «الاستبداد العسكري» في بلادها.

لقد كانت «قاوقجي» تقيم في الولايات المتحدة الأمريكيّة مع أسرتها المهاجرة هناك، وعندما انتهت من دراستها الجامعيّة «هندسة الحاسوب» في جامعة تكساس، عادت إلى بلادها وانضمّت لحزب «الفضيلة» ثم «الرفاة»، وتولت رئاسة لجنة الشؤون الخارجيّة بالحزب، وقد فازت بعضوية البرلمان، وفي الجلسة الافتتاحية ثارت ثائرة القوم، وتمّ طردها خارجه في مشهد مُزلزل، كما تمّ إسقاط الجنسية التركية عنها بحكم قضائي، لتعود أدراجها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فتلتحق بجامعة هارفارد التي نالت منها درجة الماجستير في الإدارة العامة، ثم درجة الدكتوراه في العلوم السياسيّة، قبل أن تصبح عضوة بهيئة التدريس بهذه الجامعة، وأيضاً بجامعة جورج واشنطن!

لقد أصيبت الدولة التركية ومؤسساتها (البرلمان والقضاء) بحالة هيستيريا، لتصوّرها أن غطاء الرأس الذي تضعه «قاوقجي»، على رأسها يمكن أن يهزم العلمانية، مع أنها جاءت من بلاد العلمانية بحجابها، وعادت إليها به، ولم تسقط العلمانية في الولايات المتحدة الأمريكية بذلك، الأمر الذي يكشف أن أهل الحكم في تركيا كانوا ينتحلون صفة الحكم العلماني، بينما كنا أمام حكم عسكري، لا يقل في ممارسته عن الاستبداد الكنسي الذي تصدّت له العلمانية في نشأتها الأوروبيّة!

فالعلمانية الغربية كانت ثورة في مواجهة «الحكم بالحق الإلهي»، قادها رجل دين هو مارتن لوثر، ضد الكهنوت الديني، والذي لو عاش الاستبداد التركي في هذه المرحلة لكانت علمانيته في مواجهة الكهنوت العسكري والحكم بالحق الوطني. والمؤسف أنه لم يجرِ التبرؤ مما كان حاصلاً في تركيا من قبل المُفكرين دعاة العلمانية، وتركوا أهل الحكم هناك لعقود يستبيحون العلمانية، ويشهرون بها، ولم تكن سوى غلاف لستر عورات العسكر التي تبدّت للناظرين، فصار المجلس العسكري في حقيقته أقرب إلى مجلس الكهنوت بأوروبا في العصور الوسطى!

وإذا كانت نظم الحكم الحديثة، تتميّز بعدم تدخلها في قناعات الناس وتوجهاتهم، فقد كان الأمر مختلفاً في الحكم التركي الذي يحظى بالقبول الأوروبي، وهو ما اعتبر قطعة قماش على رأس نائبة؛ ما يُمثل خروجاً على قيم العلمانية وعلى قواعد الوطنيّة، فطردت «مروة» من البرلمان، وسحبت منها الجنسية التركية، والتي انتصرت بعد عشرين عاماً من هذه الواقعة، باختيارها سفيرة لبلادها في ماليزيا، وفي الحقيقة أن انتصارها بشكل عام تم قبل عامين عندما وافق مجلس الوزراء التركي على إعادة الجنسية التركية إليها، لأن انتصار أفكارها كان منذ إقرار الحرية للمرأة التركية في أن ترتدي الحجاب، كما حريتها في ألا تكون محجبة!

تأخّر رد الاعتبار ل «مروة قاوقجي» فعلاً، على نحو يُذكرنا بالحالة المصرية، عندما قامت الثورة، فلم تنتصر لضحايا الاستبداد، ومن الدكتور عمر عبد الرحمن، إلى رجل الأعمال عبد اللطيف الشريف الذي تمّ نهب أمواله قوة واقتداراً، مروراً باللواء محمد الغنام، لأن الأجيال الجديدة التي تصدرت المشهد باسم الثورة، لم يتصل علمها بكل هذا، لأنها حديثة عهد بالشأن العام، فاعتقدوا أن حركة النضال السياسي في مصر بدأت بنشأة الحركات الحديثة: «كفاية»، و»6 أبريل»، و»الجمعية المصرية للتغيير» وقبل هذا كان العدم، ولا شك أن تحديات جمة تعرضت لها الثورة، حالت دون إعادة قراءة الماضي، والانتصار لهذه الشخصيات!

وقد كان المؤسف أن الجنرال الذي واجه وزير الداخلية حبيب العادلي بما عُرف عنه من صلف وطغيان يمارسه مستنداً لاستملاح «الأسرة الحاكمة» له، وقد حصل على اللجوء السياسي في سويسرا، أن يستمر في سجونها بعد الثورة المصرية، وقد دخل السجن لأنه رفض التعاون مع المخابرات السويسرية، هل يعلم أحد من جيل «الدجاج الأبيض» الذي تخطى الرقاب بعد الثورة، هذا الاسم: «اللواء محمد الغنام»؟!

لكن مما يُذكر في الحالة التركية، أن «مروة قاوقجي» لم تسقط من ذاكرة أهل الحكم هناك، لكن رد الاعتبار كان يحتاج لمناخ ملائم، وفرته محاولة الانقلاب الفاشلة، فمن كان يزور تركيا قبل ذلك، كان يشعر بوجود جيوب للدولة العميقة، ومن أول المطار، والتي كانت تعمل على إفشال أردوغان، ولم يتخذ معها سياسة المواجهة، ولكنه «سايسها»، و»أخذها على كفوف الراحة»، وعندما كان يجد الفرصة سانحة يضرب ضربته، وقد كان على رأس الحكومة، ولم يكن بإمكانه وأعضاء حكومته بل ورئيس الدولة التقيّد بالبروتوكول بحضور زوجاتهم في الاحتفالات العامة، لعدم إثارة «الآباء الكهنة» قيادات المؤسسة العسكرية، ثم في لحظة شعر فيها أنه يقف على أرض صُلبة، حضرت الزوجات في مشهد مثلَ إرباكاً وهزيمة للمؤسسة التي لا تملك حولاً ولا طولاً لتمنع به هذا التحدي لها.

وعندما وقعت المحاولة الانقلابية الفاشلة كانت رمية من غير رامٍ، فكانت حركة التطهير، بعزل الذين كانوا يمثلون عقبة أمام عملية التحوّل الديمقراطي، وإنشاء الدولة المدنيّة، التي تكفل الحريات العامّة، والتي ردّت الاعتبار إلى هُوية الشعب التركي الذي تمثله الأغلبية، وعندما حدث هذا كان من الطبيعي أن يُردّ الاعتبار للنائبة المنتخبة بإرادة الناس والمطرودة في زمن حكم الفاشية العسكرية، وأن تصبح عنوان الدولة التركية في بلد بحجم ماليزيا، وفي مرحلة يدعو رئيس الوزراء الماليزي إلى إقامة كيان مصغّر يضم عدداً من الدول بجانبها هي تركيا، وقطر، وباكستان، وإندونيسيا.

لقد طردوا «مروة قاوقجي» وأسقطوا عضويتها في البرلمان، كما أسقطوا الجنسية التركيّة عنها، فظلّ اسمها علماً، ولا يتذكر أحد رئيس هذا البرلمان، ولا يتذكر أحد أيضاً المتطرّفين الذين أزعجهم مجرد غطاء رأس وأخرجهم عن شعورهم، كما لا يتذكر أحد اسم القاضي الذي أصدر حكم إسقاط الجنسية أو اسم أي من أعضاء دائرته.

سيسقط المُستبدّون وتبقى الشعوب ولو طال الزمن.

[email protected]                 

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X