تقارير
يرمز في الذاكرة الشعبية للمركز الاجتماعي الرفيع لمن يرتديه

المركوب الجلدي ..علامة الثراء والوجاهة في السودان

أشهرها المصنوع من جلدي النمر والثعبان وقد يصل الثمن ل 300 دولار

الفاشري” من أجود الأنواع وينسب لدارفور أشهر مناطق صناعته

المراكيب مثلت مصدراً اقتصادياً للصناع والتجار

 

الخرطوم – عادل صديق:

تعد صناعة الأحذية البلدية «المراكيب» واحدة من أقدم الصناعات الجلدية بالسودان ولم يعثر لها على موطن أو تاريخ نشأة محددة ولكن الراجح أنها واحدة من حالات الإبداع البشري التي أوجدتها الضرورة وأخذت في التطور حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.

تتميز بصناعة “المراكيب” مناطق عدة وتعتبر دارفور من أشهر هذه المناطق، فالمركوب “الفاشري” من أشهر وأجود الأنواع وارتبط بمدينة الفاشر، وكذلك مركوب “الجنينة” وتتميز مدينة الأبيض كذلك بهذه الصناعة، وقد ساعد في استمرار وازدهار هذه الصناعة الطلب المستمر من قبل «الزبائن» بجانب توفر جميع المواد الأولية التي تنتجها المسالخ أو صيادو الحيوانات البرية.ولهذا ظلت صناعة الأحذية البلدية وتجارتها واحدة من أبرز المظاهر في جميع الأسواق السودانية، حيث إن عين الزائر إلى تلك الأسواق لا تخطئ أبدا الجزء الخاص بسوق المراكيب وبهذا الوضع فإن هذه الصناعة مثلت مصدرًا اقتصاديًا مهمًا وثابتًا لصناع الأحذية وتجارها بل وكذلك مصدرًا لدعم خزينة الدولة من خلال الرخص التجارية والرسوم التي تفرض على تجار الأحذية وصناعها بل وحتى لإدارة الحياة البرية التي تقوم بإصدار تراخيص خاصة للمتعاملين في تجارة وصناعة المراكيب المصنعة من جلود الحياة البرية كالنمور والفهود والزواحف بأنواعها، هذا علاوة على ما تفرضه الدولة من رسوم جمركية على الوارد من مدخلات صناعة المراكيب المتمثلة في الكاوتشوك والربر والنكريين و الخيوط الخاصة المستخلصة من المشتقات البترولية.

ولازال حذاء «المركوب» مرغوبًا في السودان رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وبعد أن كان يرتديه الجميع قبل عشرات السنين أصبح اليوم قلة من الأثرياء والوجهاء يرتدونه نسبة لارتفاع ثمنه الذي يتراوح ما بين (١٥_٣٠) ألف جنيه سوداني بما يساوي (٢٠٠ إلى ٣٠٠ دولار) للمركوب من نوع (مركوب النمر- مركوب الأصَلة)

ويحظر في السودان صناعة أحذية من جلد النمر خوفاً من انقراض الحيوان، غير أنها مرغوبة لجمالها ومتانتها، حيث يعيش الحذاء المصنوع من جلد النمر لمدة 20-30 عاماً ثم يقلب مرة أخرى ويجدد. وهو يرمز في الذاكرة الشعبية السودانية للمركز الاجتماعي الرفيع لمن يرتديه خاصة من الأثرياء ووجهاء المجتمع.

ويتألف المركوب السوداني يدوي الصنع من الأرضية، وهي أسفل الحذاء، وتصنع من جلد البقر، وتدبغ وتمسح بالقطران، ثم تأتي مرحلة صناعة الجزء العلوي منه وعادة ما يصنع من جلد التيس، وهو أغلى من جلد الماعز، ويتمتع بالقوة وتصنع منه أيضاً الجوانب الداخلية من الحذاء، ثم تأتي مرحلة الخياطة، وتكون يدوية باستخدام خيوط القطن، وتدعى هذه المرحلة ب”التبريش”.

وازدهرت صناعة المراكيب في غرب السودان لا سيما الفاشر نظراً لتوافر الجلود هناك وتتنوع “المراكيب”، منها مركوب “الجزيرة أبا”، الذي يرجع إلى فترة الثورة المهدية، ويمتاز بأن فردتي الحذاء تصلحان لأن تلبسا سواء بالقدم اليمين أو اليسار، وهي صفة فرضها الواقع القتالي في تلك الحقبة لكسب الوقت أثناء الحرب، ويتميز باللون الأحمر الفاتح، ويصنع من الجلد أيضاً.

وهناك المركوب النمري الذي يصنع من جلد النمر وهو الأغلى ثمنا ولا يلبسه إلا الأغنياء ثم مركوب جلد الأفعى الأصَلة وهو متوسط الثمن ومركوب من جلد البقر و الغنم , ويحب السودانيون ارتداءه في صلاة العيدين (الفطر والأضحي) لارتباطه بالزي التقليدي السوداني “الجلباب والعمامة”، وهو أحد رموز ثقافة السودان ومحل إعجاب الكثير من سياح السودان.. أما العريس، فيرتدي الحذاء المصنوع من جلد النمر لتميزه عن بقية أقرانه وأفرد أسراته.


ويقول الصانع والتاجر للأحذية البلدية بسوق الفاشر علي أدم عبد الحميد ل الراية – وتعود جذوره إلى محلية مليط – أنه قد تعلم صناعة المراكيب من والده وهو لم يزل طالبًا بالمرحلة الثانوية وظل ممارسًا للمهنة خلال الإجازات السنوية حتى تمكن من إتقانها قبل أن يكمل دراسته الجامعية، مضيفًا بأنه فور تخرجه دخل السوق صانعًا محترفًا مع أحد أقربائه ولكنه كان عقد العزم على الاستقلال بنفسه وقد تحقق له ذلك حيث تمكن من استئجار محل تجاري خاص به، بل قام بدوره باستخدام ثلاثة من العمالة الشباب كصنايعية ويقول عبد الحميد أنه بفضل تكمنه من اتقان العمل في صناعة المراكيب فقد تمكن من جذب «زبائن» ويعجز عن تلبية احتياجاتهم، ويبدو أن هذا الوضع قد مكّن عبد الحميد الحاصل على الشهادة الجامعية من إكمال نصف دينه وهو على أعتاب استقبال المولود الأول.

وحول المشاكل التي تواجه صناعة المراكيب قال عبد الحميد: لا توجد مشاكل كبيرة تهدد صناعة المراكيب نسبة لاعتمادها على مدخلات إنتاج محلية، ولكنه أبدى انزعاجه مما راج مؤخرًا حول تسجيل براءة الاختراع أو الملكية الفكرية لدولة أخرى، وقال: نعاني من ارتفاع الأسعار خاصة مدخلات الإنتاج التي تأتينا من خارج السودان كالربر والكاوتشوك من «فرنسا» والنكريين من «ألمانيا» والخيوط المستخلصة من المشتقات البترولية من دول آسيا، ويرى أن إدخال ماكينات الخياطة في صناعة المراكيب ساهم في توفير الوقت ولكنه المركوب ظل محافظًا على تقليديته.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X