fbpx
كتاب الراية

قَدرٌ تحت المجهر

قد يجعل الله في الداء الدَّواء ويُحدِث بهذا الضَّيف الكورونيّ تغييرًا عجزت عنه المنابر والأقلام!

ضيفٌ ثقيلٌ داهم العالم، مقتحمًا أحاديث الناس، عابثًا بأمنياتهم ومعالِم مستقبلهم! لم يُقم وزنًا لحضارةٍ ولا سيادةٍ ولا حصانةٍ، غزا بالخوف القلوب والأذهان، فبعثرَ الجموع، وضيّق الصدور والأرزاق، وعطَّل الأسواق والأسفار والابتسامات الآمنة. فرّغ النوادي والحدائق، وأحال البيوت والمدن والدّول سجونًا محكمة، حتى طالت سكرته القناعات والعادات والمقدّسات، فترك الحَجر المعطّر وحيدًا في ركنه، وعزل الأقصى الحزين عن أحبابه، والكنائس عن رهبانها، وأبكى القِباب والمحاريب والمآذن!

مؤلمٌ كلّ ذلك، ولكنّ الله قد يجعل في الدَّاء الدَّواء، ويُحدِث بهذا الضَّيف الكورونيّ تغييرًا عجزت عنه المنابر والأقلام!

قد تكشّفت على يده حقيقة «خُلِقَ الإِنسَٰنُ ضَعِیفا» (النساء 28) مهما طغى، وبغى، وتطاول في البنيان والجبروت! وقد تجلّت عظمة الإسلام، حيث الطهارة في الروح والبدن والرّزق، وتوقّفت مجازر الغيبة والنميمة. لقد أحيا سُننًا شرعيَّةً مهملةً كالأذكار والرُّقى والأدعية، وجعل الناس يسألون، ويسمعون؛ ليُفرّقوا بين التوكّل والتّواكل، وبين قوله تعالى: « قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا» (التوبة 51)، وقوله: «وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ» (البقرة 195)، لقد أدركوا قيمة الإيمان، وقدر النِّعم، ولذّة تسوية الصفوف، وهمهمة حلقات الذِّكر والقرآن!

وعلى الصعيد الاجتماعي أتاح عند بعض الأسر فرصة التعارف بعد أن جفّفت الشاشات القلوب، وغيّبت العقول، فقد اضطرّ الأبوان إلى لمّ الشَّتات، وحلّ المشاكل، وتوعية الأبناء، وتفقّد أحوال الأهل والأصحاب، لقد حوّل كورونا العالَمَ إلى أُسرةٍ واحدةٍ يشعر أحدهم بأنَّ مصيره رهنٌ بسلامة الآخرين، وأنَّه بدوره مسؤولٌ عن ابتسامتهم ومستقبلهم، فيتابع أخبار البلاد المسلمة وغيرها! ويشعر بغصّةٍ كلّما ارتفع منسوب الإصابة في أيّما بقعةٍ! وتعلوه ابتسامةٌ كلّما أُعلِن عن حالة شفاءٍ أينما كانت! بعيدًا عن العنصرية البغيضة التي عشعشت في الصُّدور والأذهان، وجعلت الشعوب تحمل على بعضها لواء الحقد الطائفيّ والقوميّ والعرقيّ، وتشقى به!

وعلى الصعيد الصحيّ تنفّست الأرض والسماء، وألقتا ما فيهما من تلوّثٍ وضجيجٍ أحدثه جشع الإنسان، وبرز الحديث عن المناعة كدرعٍ حصينٍ يقي البشر من الأدواء، وشرع الناس بمراجعة عاداتهم الغذائية، وإدراك أهمية الرياضة، ونجاعة الفحوص الطبية الدورية. لقد أدركوا حقيقةً معنى «درهم وقايةٍ خيرٌ من قِنطار علاجٍ» فظهرت ثقافة الترشيد، وحُسن استعمال المرافق العامّة، والأدوات الخاصّة، وقيمة التطهير والتعقيم، والتواصل الآمن، بما يحقّق الوصيّة النبويّة الجامعة: «لا ضررَ ولا ضِرار» (رواه ابن ماجه)

وعلى الصعيد العلميّ أصبحت البيوت على اختلاف مستوياتها أشبه بندواتٍ طبيةٍ ومحافل علميةٍ لتحليل الأحداث وعادات الشعوب، ونقد الإشاعات، ولعل الفرد فيها يجد في براح الوقت مكانًا للتأمّل، والقراءة، ومحاسبة النفس، وترتيب الحياة والأولويات، ورسم معالم المستقبل، بعد أن كان الكثيرون مغيَّبين لاهين عن مسؤولياتهم حتى عن أنفسهم وأوطانهم!

لقد أيقنت الأذهان بعد تعطيل المدارس أنّ للمعلّم دورًا عظيمًا في الحياة، إذ يحتوي في يومه عشرات العقول، يقارع الهموم لإيصال رسالته وأداء مهمته التي لا يمكن الاستغناء عنها مهما تغيّرت الظروف وتطوّرت الوسائل، وأدركت أنّه في عصر الحداثة يمكن استمرار العمل من دون الملفات الكثيرة والاجتماعات الطويلة، وأن الأجهزة الذكية يمكن استثمارها بشكلٍ حقيقيٍّ بعيدًا عن اللّعب والخداع الذي ساد زمنًا وعاث فسادًا! وكشفت الأزمة عن ظواهر تستحقّ التأمّل كسعادة الطلبة وشكرهم للفيروس الذي حرّرهم من المدارس!

[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق