كتاب الراية

تأملات … إذا طُعنت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة

الحصار خلق من قطر دولة جديدة تسعى للقمة ولا ترضى بتقديم تنازلات

عندما عزمت السعودية والإمارات وبمعيتهما البحرين ومصر على حصار قطر، احتاجت هذه الدول لما يُبرّر تصرفها أمام شعوبها وشعوب الخليج والدول العربية والعالم خصوصاً أن الإقدام على قرار قطع العلاقة مع دولة ترتبط معهم بمصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية وتتأثر معهم بباقي المؤثرات سواء كانت خارجية أو داخلية يعتبر قراراً مصيرياً وشائكاً جداً وخطيراً، نظراً لأن السيناريوهات المُحتملة كعواقب جميعها تؤثر على استقرار المنطقة وأمان شعوبها، كما تؤثر سلباً على التنمية. ولكن تم اتخاذ القرار كقرار فردي من أشخاص غير آبهين بالعواقب، والقرار الفردي هذا ممن ولّاهم الله على عباده وممن سيكون لهم النصيب الأكبر من القصاص والعقاب إن ظلموا الناس في حكمهم فلماذا لم يُشاوروا الحكماء في هذا الأمر أليس الأمر «شورى» بين المسلمين وأليس المفروض بأنهم كأولي أمر يجب عليهم أن يكون همّهم مصلحة شعوبهم وبلادهم ناهيك عن عدم التسبّب بأذى لشعوب البلدان الأخرى وبالأخص ممن تربط بينهم علاقات الدم والنسب ؟.

لقد عقد القرار على أساس أن قطر لن تستطيع الصمود لأنها كانت تعتمد عليهم بشكل رئيسي من الناحية الغذائية وهذا أمر صحيح نتيجة اتباع قطر لسياسة التكافل بين دول الخليج والتي تم استغلالها ضدها بعد ذلك، فكان أول درس لقطر أن تسعى للاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية الأساسية ولا تعتمد على أحد، والصدمة الثانية محاولة القيام بعملية عسكرية للسيطرة على قطر الغنية بالغاز والتخلص من دولة سادسة في الخليج حتى تكون خمس دول فقط، وبرأيي كان ذلك سيفتح شهية أفاعي الخليج ولن يطول الوقت حتى تلتف على دول خليجية أخرى لابتلاعها. إن هذا المخطط الشيطاني لم يَكتُب له الله النجاح بسبب ردة الفعل السريعة من القيادة القطرية والتي اتجهت نحو فضاءات جديدة وتحالفات أكثر مصداقية وأمناً من التحالف الأمريكي وهذا ما بدّد الحلم بإخضاع قطر عسكرياً، وبدأت قطر شق طريقها بدون قيود التحالف الخليجي، فبينما هم يبيعون الوهم لشعوبهم بمشاريع خيالية وبوعود زائفة تعلن قطر من وقت لآخر عن إنجازاتها وعن اكتمال المشاريع الأول تلو الآخر محلياً وعالمياً نظراً لما حظيت به قطر من احترام من كافة الحكومات الكبرى.

وأكثر ما يُثير الاشمئزاز في الثلاث سنوات الماضية كان انتشار وباء «الذباب الإلكتروني» عبر تويتر، والذي تم استخدام منصّاته لتشويه صورة قطر، فقد تم خلق جيش إلكتروني يعمل بشكل مدروس لنشر التقارير والأفلام المُفبركة، ونشر الإشاعات الكاذبة، وقد استخدم هذا الجيش في بداية الحصار لتبريره عن طريق شيطنة قطر وشيطنة سياستها الخارجية، وكانت هناك محاولات لشق الصف الداخلي فيها عن طريق إطلاق وسوم وخلق مُغرّدين قطريين وهميين، ولكن فشلت جميع مساعيهم وانبهر الجميع من قوة العلاقة بين حكام قطر وشعبهم وصارت العلاقة مثالاً يُحتذى به ولم تتوقف هذه المحاولات من التشوية حتى وقتنا هذا. وبالرغم من خُبث الذباب الإلكتروني فيما سبق، ولكن ما لا يمكن تصديقه هو التخلي عن المبادئ الإسلامية والعربية والتي تحرّم التعرّض للنساء ومُحاولة الانتقام من الطرف الآخر عن طريق إهانتهم والتعرّض لهن ولشرفهن لما للمرأة من قيمة كبيرة في المجتمع كأم وأخت وزوجة وابنة فتخلى من يمدون بالأموال لمرتزقة التويتر عن شرفهم مقابل الشعور بنصر وهمي ولم يحصلوا إلا على الهزيمة والعار.

إن الحصار خلق من قطر دولة جديدة، مُفكّكة من القيود الشائكة، تسعى للقمة ولا ترضى بتقديم تنازلات، مقابل اعتبارات وقيم بان زيفها، فالقمة التي أصبحت بها قطر جعلت من نجاحاتها السابقة بدايات مما يزيد من سعير قلوب الحاسدين، وكما يقول المثل الفرنسي «إذا طُعنت من الخلف فاعلم أنك بالمقدمة».

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X