كتاب الراية

خواطر.. حفاظًا على الود

المحبة والعطاء مشاعر إنسانية تمنحنا السعادة لكنها لا تعطينا حق التطفل

العلاقات الإنسانية مُتغيّرة، تتوثق بالاحترام والثقة والاهتمام، وتضعف لعدة أسبابٍ منها أخطاء فردية أو مشتركة، وغالبًا ما تكون بسبب المبالغة في قولٍ أو فعلٍ، تسببا في إحراج أو إزعاج الآخرين.

أحيانًا نتعرّض لأسئلة شخصية أو انتقادات جارحة، ولا يمكن لأحدٍ منّا تبرير ذلك إلا إن تم في لقاء خاص بهدف مساعدتنا، أمّا الباحثون عن المعلومات لأنفسهم أو لتداولها مع الغيرِ سواء من باب الفضول أو للإيعاز بصلتهم الوثيقة مع صاحب الشأن أو لمجرد الثرثرة، فلا أسف عليهم إنْ أُغلقت أمامهم سُبل الاستفزاز.

ويحدث أن يُصرّ البعض على توجيه الانتقادات دون وجه حق، فتجدهم مُتكفّلين بالإشارة إلى السلبيات أو اختلاقها مع التغاضي عن الإيجابيات، وقد يصل بهم الأمر إلى انتقاد القوانين والعرف الاجتماعي السائد في البلد الذي يسكنونه، يريدون الكمال في كل ما يخصّهم وبالشكل الذي يتناسب معهم، وتتجلى الحالة فيمن يشعرون بالاستحقاق مع ارتفاع سقف توقعاتهم.

إن كنت تعاني من اختراق البعض لحياتك الخاصة، أو ممن يتدخلون باستمرار في خياراتك، فتذكر أنها حياتك، وإذا كنت من أتاح لهم فرصة التعبير عن رأيهم في أمر سابق، فهذا لا يعني أبدًا أنك منحتهم صلاحية إبداء رأيهم في كل صغيرة وكبيرة، فقط تذكر أنّ ظروفك آنذاك دفعتك لمشورتهم، ولا داعي لأن تلوم نفسك، لأنك فيما بعد تعلمت بعض الدروس واكتسبت الخبرة، واليوم لديك القدرة على اتخاذ القرار الصائب وبإمكانك منعهم من التدخّل.

ولكن إذا كان هناك من لا يَنفكّ عن توجيهك، فهو على الأرجح شخص مُتَسلّط، يُشعرك بأنه أفهم منك وأدرى بمصلحتك، ليثبت وجوده عن طريق تهميشك والتقليل من شأنك، هؤلاء غالبًا يستقوون عليك من احترامك لهم ويظنون ذلك ضعفًا منك، وهذا لا يعيبك أبدًا، فأدب التعامل ليس ضعفًا بل مُهلة، ولك مُطلق الحرية في رسم الحدود وبمنتهى الأدب.

أمّا إذا كنت أنت السبب في إزعاج الآخرين، وصارحوك بما يُزعجهم، ولم تراعِ مشاعرهم، فلا تستغرب ابتعادهم عنك، ولا تبحث عن أسباب للتبرير، عليك بمراجعة نفسك وتدارك ما يمكن إنقاذه من علاقاتٍ جميلة في حياتك. فالحياة أقصر من أن نُضيِّعها مع من يحرجوننا، ويسيئون تقييمنا، ويُشعروننا بالذنب والتقصير لأتفه الأسباب.

يقول الباحث المساعد في مجال الصحة النفسيّة بجامعة أورانج بولاية كاليفورنيا الأمريكية، ديفيد فريدريك: (يشعر بعض الناس بالحاجة إلى مساعدة الآخرين لأن هذا يمنحهم إحساسًا بالبهجة والطاقة، لكن هذا يجب أن يتم بشكل متوازن، حتى يكونوا قادرين على التوقّف عندما يصبح الأمر مُضرًّا).

نعم، إن المحبة والعطاء مشاعر إنسانية تمنحنا السعادة، لكنها لا تعطينا حق التطفل أو التدخّل في شؤون الآخرين ومحاولة تغييرهم، فقد يكونون في حالة سلام نفسي ورضا عن الذات، بينما نحن غير مُدركين لذلك، نظرًا لاختلاف ظروفنا وطباعنا. العلاقات الاجتماعيّة ضروريّة لنا، والاختلاف ليس سبباً للخلاف. نحن مُختلفون في الأعماق، وفن السباحة يكمن في القدرة على النجاةِ، لا على الغوص في الأعماق!

[email protected]

العلامات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق