كتاب الراية

بلا عنوان …

ربما يشكو البعض من عدم شعوره بالسعادة أو أن السعادة لا تقترب منه رغم ثرائه وغناه، وهنا تكون الإشكالية، فالبعض ثري ومع ذلك نراه يقول دائماً أنه لا يشعر بالسعادة ولم يكن يوماً سعيداً، والمشكلة تكمن في غياب المعنى الحقيقي للسعادة لديهم، مُعتقدين أنها لا تخرج عن المال، ولم يخطر ببال ممن لا يشعرون بالسعادة في حياتهم أو الذين تمر حياتهم بلا معنى، أن السعادة الحقيقية بين يديه لكنه لم يرها أو يُدركها، لذلك نرى أسعد الناس أنفعهم للناس، ولهذا نجد أن هذه المنفعة تتلخّص في كلمة واحدة وهي «العطاء» فالعطاء قمّة السعادة، فما أروع العطاء الذي يمنح صاحبه هذا الشعور الراقي، فتلك الصفة تجمع معها صفات كثيرة مهمة مثل أن يكون الإنسان مثابراً وطموحاً ودؤوباً، وصفة العطاء تقرّب صاحبها من الله عز وجل وتجعله تقياً، فهو يُعطي وهو في أمسّ الحاجة لمن يُعطيه، وربما يضيء شمعة للآخرين حتى لو حاولوا إطفاءها.

ولهذا، فإن العطاء يُعلّم صاحبه الصبر، فهو يُعطي بلا عطاء أو نظير، ولا ينتظر المقابل. فالعطاء كما أسلفنا، صدق و إخلاص و تقدير و احترام و ذكر للجميل. والإنسان المِعطاء يُعطي بكل الحب ويمنح ما يملك من أحاسيس ومشاعر، ويُعطي وهو في أمسّ الحاجة لمن يعطيه. وحين يفعل الإنسان ذلك، فهو إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأنه ترجم الإنسانية هنا إلى صفة رائعة وهي العطاء، وتلك الصفة التي وهبنا الله إياها إنسانية كاملة، فإنك إذا أعطيت ما تملك لمن لا يملك فسيجعلك عملك هذا إنساناً سعيداً بعطائك مسروراً به، وهنا يجب أن نعلم جيداً كيف نحرص على العطاء.

وبالتأكيد أن هذا يأتي عبر الصبر، لأن العطاء يُعلمنا الصبر أيضاً وعدم انتظار المقابل، وكم رأينا كثيرين يدّعون أنهم يُعطون بلا حساب ولكنهم للأسف لا يشعرون بالسعادة، وهؤلاء يعتقدون أن العطاء يقتصر على العطاء المادي الملموس فقط، وهذا لا شك خطأ، لأن العطاء المادي وحده مُخالف لشريعة الإنسانية فالعطاء المادي قد يُفرح قليلاً ويُسعد قليلاً، ولكن قد يقصر مدى تأثيره على النفس، بعكس ذلك العطاء الذي يحتاجه البشر وهو العطاء الذي لا يشعر به المعطى، فوقعه على نفس المعطي والمتلقي كبير، ذلك العطاء الذي يجعلك مدعوماً بالحب والوفاء لأن الترجمة الحقيقية لهذا العطاء في هذه الحالة هي توفير غذاء للروح وبما يؤلف القلوب.

والعطاء الحقيقي هو أن يكون الإنسان شمعة تضيء للآخرين، ولا يهم في هذه الحالة أن نرى من ينعم بنور تلك الشمعة يحاول إطفاءها، ولا يجب أن نقف عنده كثيراً فربما يحتاج شمعة مرة أخرى في حالة أحلك ظلاماً ويتعلم من الدرس الماضي وألا يطفئ الشمعة مرة أخرى، وعلينا إضاءة الشمعة مرة أخرى لأنه ربما يكون هناك إنسان آخر في أمسّ حاجة لضوئها، وليس أن نقول أننا لو أضأنا الشمعة فثمّة من يريد إطفاءها، فطالما امتدت أيادينا لتضيء الدرب تجلي الكرب عن إنسان آخر أو مجموعة أو عشيرة، فلا يجب أن نتوقف عن العطاء.

فهناك دوماً من يستحقه والمؤكد أنه سيناله، فالعطاء حب، فعلينا أن نعطي بكل حب ولا يهم إذا كان مقابل هذا العطاء الوجداني من الطرف الآخر جحوداً وإنكاراً، ولا يجب أن نتوقف عن العطاء لأنه من الخطأ أن نستسلم للجاحدين وناكري الجميل، فمن يُعطي لا ينتظر حمداً أو شكوراً أو ثناءً، فالقاعدة تقول «من يأخذ ولا يشبع لا يعرف الشكر.. ومن يعطي دائماً لا يتوقف عن العطاء أبداً.. ومن لا يعطي مطلقاً لن يهم أبداً بالعطاء» وكلما أعطيت بلا مقابل كلما رزقت بلا توقع فاعمل الخير بصوت هادئ فغداً يتحدث عنك عملك بصوت مرتفع، وهذا يمنح معنى جديداً للعطاء وهذا ما يجعلنا سعداء أيضاً، طائعين لا مُكرهين ولا ننتظر من الأخر سوى الصدق والإخلاص والتقدير والاحترام وذكر الجميل.

ومع هذا لا يجب أن نظلم أنفسنا إذا أخطأ في حقنا من استفاد بعطائنا أو منحناه وقتنا وقوتنا وخبراتنا، ولا يجب أن نقول في هذه الحالة أننا أعطينا من لا يستحق ما لا يستحق، ولا داعي للندم، فالعطاء من ضمن قيم المجتمع ومكوناته الرئيسية ولا يجب ان تغيب عنه كي يسود الشعور بالمحبة والأمان والطمأنينة التي غابت بغياب قيمنا. ومن ضمن أعمال العطاء المجتمعي التكافل الاجتماعي والتبرّع بالدم، والعدل في التعامل والتحرّر من الأنانية.

فالعطاء هو فن من فنون التعامل ولكن ما أجمله وأطيبه وأنقاه هذا العطاء الذي يكون خالصاً لمرضاة الله تعالى، فنعم العطاء لله، فهو الأساس، ومن كان تعامله مع الله لن يُخيّبه، ومن كان يعمل ابتغاء وجه الله فلن يقف عطاؤه.. نسأل الله التوفيق جميعاً وأن يجعل كل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم سبحانه العاطي الوهّاب، فلا تعش لنفسك وعش للآخرين وقدّم الخير والنفع لهم.

[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق