كتاب الراية

عن شيء ما.. نحن ونظرية الفراشة

الإغريق كانوا يعتقدون أن الروح تخرج من الجسد على شكل فراشة

رغم أنها تنتمي إلى عالم الحشر ات إلا أنها مميزة فهي رمز لبهاء الطبيعة حتى فتن بها الناس وتغنّى بها الشعراء، كيف لا وهي تتلون بكل ما يمكن تخيله من الألوان زاهية أو باهتة أو براقة ومنسقة بأنماط خيالية ومبهرة..

لكن الفراشة ليست مخلوقاً جميلاً وملوناً فقط فهي بجناحيها الرقيقين كورقة رمز للخفة حتى إن الإغريق قديماً كانوا يعتقدون أن الروح لخفتها تخرج من الجسد على شكل فراشة بعد الموت!

مَن منّا لا يعشق الفراشات؟ كلنا، لكن لا شك أن محبي الجمال لديهم عشق طاغ لهذه المخلوقة وربما لهذا نجدها تتصدر بشكلها قائمة (الوشم) على أكتاف الصبايا ورسومات الأطفال في كراساتهم وعلى حيطان غرفهم.

هذا الكائن الرقيق الذي يبلغ عدد أنواعه أكثر من عشرين ألفاً يتفوق علينا بتنوع أعراقه وتتمتع به حواسنا الخمس دون نقصان، ورغم صغر حجم الفراشات وضآلته هي أيضاً تعيش مثلنا صراع البقاء ولا تخلو حياتها من كثرة الأعداء من فصائل الطيور والحشرات الأخرى، لكن آليتها القوية في الدفاع عن نفسها لا تخلو من خبث ومناورة، حيث تقوم بإطلاق رائحة نفاذة وكريهة لتبعدهم عنها، هذا بالإضافة إلى عمليات التمويه والتغذية على عصارة نباتات تجعل طعمها كريهاً لكل الحشرات التي تحاول افتراسها!

هذه القوة التي تمتلكها فراشة هي دليل على صحة أمثلتنا (فالله فعلا يضع سره في أضعف خلقه)، وها هي الطبيعة تؤكد بل وينضم إليها العلم في تأكيد هذه المقولة التي يبدو أنها تحولت الى نظرية فالقوة تكمن في (الآلية) الأمر الذي ينطبق ربما على كل الكائنات بما فيها البشر، فهذه الفراشة الخفيفة الضئيلة للغاية أصبحت مادة دسمة للعلم والعلماء إذ لأجنحتها أجهزة تكييف نانوية لتخفيف الحرارة وهي تشبه مادة الفانتا بلاك النانوية في قدرتها على امتصاص الضوء مما قد يقود لاكتشاف جديد في عالم التلسكوبات والطيران، وأخيراً تطوير مادة عازلة للمياه اعتماداً على اكتشاف آلية أجنحة الفراشات في التصدي لقطرات المطر القاتلة بالنسبة لها من خلال أشواك مجهرية تعمل على ثقب قطرات المياه وتمزيقها إلى أجزاء صغيرة..

نعم ليست الفراشات مجرد حشرات أو مخلوقات يجب التخلص منها بمجرد رؤيتها كما نفعل مع كثير من المخلوقات دون أن نتأمل في عوالمها الصغيرة الكبيرة، إن دورها أكبر بكثير من منظرها الخلاب فهي مصدر إلهام الفنانين وهي مصدر للمضادات الحيوية وتعزيز قطاعنا السياحي إذا ما عرفنا أن محمية (وادي الفراشات) مثلاً على جزيرة رودس اليونانية تجذب آلاف السياح ووجودها بكثرة مؤشر على صحة النظام البيئي..

يؤسفني أن مخلوقاً خارقاً بهذا الإبداع والأهمية يعيش بضعة أيام فقط، ترى هل هي أحد أسرار الكون الغريبة ؟ والمفارقة تكمن في أن السلحفاة وهي الكائن الأقرب إلى البشاعة والبلادة والكسل هي الأطول عمراً بين الكائنات الحية على سطح هذا الكوكب..

هنا تبدو مقولة سبحان مقسم الأرزاق في مكانها، لكن هذا كله لا شيء أمام نظرية الفراشة التي تنص على أن (تحريك جناح فراشة في الصين سيتسبب بحدوث إعصار مدمر في أمريكا)!! وهي نظرية فلسفية فيزيائية تعني أن أي حدث في الكون يكون ناتجاً عن أحداث صغيرة لايلاحظها أحد ويؤثر بشكل غير مباشر على أحداث أخرى.. الخلاصة إذا كانت الفراشة بهذه القوة والتأثير فعار على الإنسان أن لا يساهم ولو بكلمة أو موقف أو حتى عطسة في تغيير الأحداث، ليس علينا سوى أن نرفرف بجناح فراشة لربما ساهمنا في إحداث إعصار أو عاصفة أو حتى هبة ريح، وليبقى لنا شرف المحاولة على أقل تقدير.

[email protected]

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق