كتاب الراية

خواطر.. آباء وأبناء

النجاح أمر نسبيّ ووضع مُتغيّر لا يخضع لأحكام ثابتة

يتعامل كثير من الآباء بأسلوب المقارنة لتحفيز أبنائهم وتحسين سلوكياتهم في شتى المواقف، (لماذا لم تحصل على درجات مرتفعة مثل أخيك، متى ستكونين مطيعة مثل أختك، أريدكم أن تكونوا كأبناء فلان)، مما يُسبب الشعور بالإحباط والإهانة، وإثارة الغيرة في قلوبهم إضافة إلى توليد مشاعر سلبية تجاه الوالدين. وقد تشمل المقارنة المظهر والهوايات، فهذا رياضي وتلك رشيقة وأنيقة وهكذا.

وبالرغم من اختلاف الأهل من حيث التربية ونمط الحياة، إلاّ أنهم يتوقعون نسخة تجمع مزايا الجميع في شخص واحد، دون إدراك لمزايا أبنائهم الفعلية وتعزيز قدراتهم وحثّهم على التفرّد بشخصياتهم.

نية الآباء غالبا سليمة لكنهم قد يُخطئون الأداء بالإصرار على المثاليّة وإشعار الأبناء بالذنب، لا شيء ينقصكم، أبناء فلان يعيشون في منزل أصغر من منزلنا، نحن لم نُقصّر في واجبتنا، لقد بذلنا من أجلكم الكثير، يحق لنا أن نتفاخر بين أصدقائنا، وكأن النتائج الدراسية سباق بين الأهالي يلهث خلاله الأبناء ليقلّدوا الأهل أوسمة التميّز، وإن لم يفوزوا كان التأنيب والتعزير نصيبهم مهما بذلوا من جهد.

كل الأفعال والتصرفات والحوارات العائلية ومن ضمنها تعاملات الأهل المجتمعية مع ذويهم ومن حولهم بدءا من العمالة المنزلية إلى رؤساء العمل، تسجلها عقول الصغار بالصوت والصورة، وفي أرشيف الذاكرة صدى الوصايا، كُن مثل أبيك، كوني مثل أمّك، أريدك أن ترفع رأسي عاليًا. إلاّ أن ذلك يعزز قدرة الأبناء على المقارنة بين أهلهم والآخرين، فالمقارنة أصبحت مكتسبة من واقع الحال والتربية.

يقول أغلب المبدعين والناجحين في الحياة أنهم واجهوا تحديات كبيرة، كان أغلبها في التواصل مع الأهل لإقناعهم برغباتهم وهواياتهم وتوجهاتهم، وكانت تلك المرحلة هي الأقسى على حد قولهم، لأن اختياراتهم تعارضت مع شعور الآباء بالصلاحية المطلقة في تقرير الأنسب، ويتخذ بعض الأهالي من رضا الوالدين ذريعة لتنفيذ مطالبهم، ولكن ماذا عن رضا الأبناء عن أنفسهم وعمّا يقومون به؟

المقارنة العادلة تكون بين حال الشخص الآن وحاله سابقًا، فإن كان أفضل مما سبق فهو ناجح ويستحق الثناء والتشجيع، وإن حصل تباطؤ أو تحوّل في مساره فهذا لا يعني الفشل، بل ربما وجد سعادته في اختيار مختلف لم يكن مدركًا له من قبل.

أما فيما يتعلق بالدراسة، فإن اجتهد الطالب، لكنه تأخر في مادة وتَقدّم بغيرها فهذا يشير إلى ميوله ونقاط قوته وضعفه، ولا يستدعي إهانته بمقارنته بزملائه أو أخوته. المقارنة تجعل الإنسان مشغولا في تقييم الناس له أكثر من انشغاله في تطوير نفسه. ومن أقوال الآباء المتكررة (أغبى منك وصاروا)، بدلا من (أنت ذكي ولديك قدرات تؤهلك للنجاح).

إن علاقة الأهل بالأبناء أبديّة، هُم مسؤوليتنا وبحاجة لرعايتنا في الصغر ونحن قد نحتاجهم في الكبر، وكلما كانت المودة والرحمة والتقدير أساس التعامل كلما تلقينا الإقبال والاحترام المتبادل، إذن لنتواضع في سقف التوقعات، لا خوفًا من فشلهم ولكن رحمة بأنفسنا وحُبّا بهم، وتَحَسُّبًا للقدر، فالنجاح أمر نسبيّ ووضع مُتغيّر لا يخضع لأحكام ثابتة، وهذه النسبية تتجلى في الاختراعات التكنولوجية التي أصبحت سببًا في تطور العالم. الإحساس بالسعادة هو أكبر نجاح ومصدره الرضا عن النفس والشعور برضا الوالدين.

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X