كتاب الراية

خواطر .. في حياتنا ما يستحق التجربة

لديّ تفاؤل كبير .. وسوف تكشف لنا الأشهر القادمة عن الكثير من المواهب المبرعمة

مضت فترة العزل الصحي الأولى وانتقلنا لمرحلة أكثر مسؤولية، بعد أن قلّ عدد الإصابات وعرفنا كيفية تجنّب العدوى ورفع المناعة الذاتيّة قدر المُستطاع. لم يعتد أهلنا على الوحدة واختفاء الزوّار، المجالس التي كانت عامرة بأحاديث المؤنسين بين عبق القهوة والبخور، أصبحت خالية إلا من الأبناء الذين يأتون فرادى خلافًا لرغبة الوالدين الفطريّة في اجتماعهم معًا، هكذا شاء القدر.

وكأغلب الأمهات، قضت أُمي تلك الفترة بتلاوة القرآن قبل كل صلاة ووقت من الاستغفار والدعاء، مع متابعة الأخبار والطهي وتلقي رسائل الهاتف الذكي، لكن ذلك لم يغنها عن رؤيتنا ولم يملأ الفراغ الكبير والصمت المُزعج، وهذا الشعور كان يؤرقنا صغاراً وكباراً.

بينما تصرّفت ابنتي بذكاء لتستثمر وقتها بعد إنهاء عملها عبر الإنترنت، اشترت عدّة الرسم الذي هجرته منذ ابتلاع المواصلات والعمل لوقتها بشكل جعل عودتها للبيت قبيل المغرب مكانًا للراحة فقط حتى بزوغ فجر جديد.

ذهبت لجدتها بموعد مسبقٍ وعلى أنفها كمامة ويداها مغلفتان بالقفازات ومجموعة ألوان ولوحات بيضاء لترسم معها، وهكذا بدأت حكاية والدتي مع الرسم، فبعد تلك الجلسة أصبحت تبحث في موقع يوتيوب على كيفية الرسم بألوان الأكريليك والألوان الزيتية والمائية وأنواع اللوحات والمقاييس والأبعاد، وما يختص بالفن الذي لا أعرف عنه الكثير!

بهرتنا الوالدة بسرعة تعلّمها وشغفها في معرفة المزيد، لقد أنعش الرسم روحها فتحسنت نفسيتها، عندها تأكدت أننا لا نعلم ما نحب إلا إن جرّبنا بأنفسنا، كما أننا لا نستطيع تقييم قدراتنا ومهاراتنا إن لم نخض تجارب متنوّعة، كثيرًا ما سمعنا أقوالًا مثل: أنا لا أحب السباحة أو ممارسة الرياضة، أنا لا أحب العزف الموسيقي، لا أحب الخياطة، لا أحب الكتابة، والأجدر بنا أن نقول أنا لم أجرّب كذا، فكيف لي أن أعرف؟! وما المانع من قول: يعجبني كذا وأرغب في ممارسته لكنني لم أجرّب، هل لك أن ترشدني؟

التجربة فرصة ذهبيّة لا بد أن نخوضها كي نستمتع خلال مسيرتنا، فالعمر ماضٍ والحياة مستمرة ولنا حرية البحث عن كل جديد ومفيد، لنزيل الرماد عن أرواحنا ونوقد الشغف المنسيّ.

غالبًا ما يكون الخجل والرهبة من الفشل والخوف من الآراء السلبيّة (خاصة مع التقدّم في العمر)، من الأسباب المُحبطة، لكن تخطّي تلك المشاعر، يشبه الصعود إلى جبلٍ تتسع في قمته دائرة الأفق.

لديّ تفاؤل كبير، وسوف تكشف لنا الأشهُر القادمة في ظل اجتناب السفر والالتزام بالتباعد الاجتماعي، عن الكثير من المواهب المبرعمة. لقد اعتدنا استخدام مصطلح البراعم للنشء، مع أن البراعم تنشأ وتنبت من البذور والحبوب الجافة والأغصان اليابسة، التي سرعان ما تدبّ فيها الحياة من جديد بعد امتصاصها للماء وتعرّضها للشمس. ألَمْ تكن تلك تجربتنا الأولى في المرحلة الابتدائيّة؟ لكننا لم ندرك آنذاك أبعادها السيكولوجية على عقولنا التي لم نستخدم رُبعها بناءً على كلام الأطباء.

أشعر برغبة في إنماء ما تيبّس فينا وفي ذوينا، سأحاول برعمته من جديد. يبقى الإنسان محور الحياة مهما تطوّرت، ويحقّ لنا إنعاش أرواحنا وإمدادها بما توفّر من إكسير الحياة. إن الزعم بأن طموح الإنسان وأحلامه أكبر من قدراته مجرّد وهم، والطريقة الوحيدة لتأدية عمل عظيم هي التجربة ثم شغف الممارسة حد الإتقان.

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X