fbpx
المنبر الحر

من الحبة قبة

مواقع التواصل لا تصنع ثقافة حقيقية بقدر ما تروّج لثقافات أخرى دخيلة على المجتمع

بقلم – أسامة أنور:

لقد أصبحت اليوم مواقع التواصل الاجتماعي في متناول الجميع، ولم تعد حكرًا على أحد فمن يمتلك هاتفًا يمتلك حسابات متعددة على مواقع التواصل بمختلف أنواعها وأشكالها.

هذا الانتشار المتسارع والسهولة الكبيرة خلق حالة من التفاعل لدى الجميع، فأي حدث أو ظاهرة ما تظهر على أرض الواقع سرعان ما تسيطر على مواقع التواصل ويهرع إليها المتفاعلون بآرائهم وانتقاداتهم الإيجابية والسلبية بل وخلق قضايا قد تكون تافهة وصناعة شكلت رأيًا عامًا منها.

أتاحت هذه المواقع الفرصة للتعبير عن الرأي ووجهات النظر المختلفة في أي موضوع وظاهرة ومشكلة وخبر وحادثة وهذه بالطبع من المحامد والإيجابيات على اختلاف درجة السلبية والمساوئ فيما بينها إن وجدت.

في هذا المقال أود أن أتحدث عن بعض هذه المساوئ، وكيفية انتشار الخبر صحيحًا كان أم خطأً وكذا سرعة تناقل الشائعات وصناعة المحتوى التافه ومدى التضخم الحاصل للمواد المتناقلة وتحويل الحبة إلى قبّة!

يتفق الكثير على أن مواقع التواصل لا تصنع ثقافة حقيقيةً بقدر ما تروّج لثقافات أخرى دخيلة على المجتمع، فالظاهرة الغريبة مثلًا ما تفتأ أن تظهر على مواقع التواصل إلا وتنتشر كالنار في الهشيم، تتحول بفعل هذا التفاعل والانتشار إلى عادة مجتمعية وتصبح من العادات والتقاليد يتوارثها المجتمع، وقد كانت في يوم من الأيام دخيلة، بل وكان السبب وراء تفاعل الجميع معها محاربتها لا تطبيعها.

مواقع التواصل الاجتماعي مساحة واسعة لصناعة المحتوى التافه فالكثير من اللاهثين وراء الإعجابات والمشاركات والشهرة يعملون المستحيل للفت الأنظار وجعل المجتمع ينشغل بهم وتحويلهم إلى رأي عام ولهذا يلجؤون إلى مصادمة المجتمع في معتقداته وأفكاره ليرد عليهم هو بالمثل دفاعًا عن ذلك، فيحصدون مبتغاهم ولو على سبيل السب والشتم فلفت النظر والشهرة يتماهى أمامه مجموعة من المسبات.

لكن أيضًا من جهة أخرى يتفاعل البعض مع المحتوى السَّمِج الذي ليس له رسالة، أكثر منه مع المحتوى الهادف بل يكاد مقطع الفيديو المليء باللاشيء يتخطى آلاف المشاهدات والمشاركات فضلا عن نشره بين الأصدقاء والأقارب، بينما لو كان هناك فيديو آخر فيه رسالة ما أو قيمة جميلة لما التفت إليه أحد ولا تفاعل معه وهذا بالطبع ملحوظ عند الجميع.

البرامج والفيديوهات والكتب وحتى المنشورات الفيسبوكية الخالية من الهذر لا يتفاعل معها أحد ولا يقرؤها أحد، مع أن محتواها قيم وفيه فائدة ومعرفة قد تغني الكثير عن البحث والدراسة، فضلًا عن اكتسابه لمعلومة عامة حتى لو لم يكن في حاجة إليها!

لو كتبت مقالة ما وابتدأتها بعبارة سوقية مثلا لذهلت من مدى التعاطي معها والنقاش الدائر حولها مع أن المحتوى قد يكون فيه سب وشتم، ومخل للأدب العام، ولكن بدلا من أن يكون هذا مانعا للتفاعل والنشر صار سببًا رئيسيًا لذلك، ولا أدري أعمى الألوان أصابني حتى أراه أنا وحدي أم أن الجميع مصاب كذلك.

المحتويات الزائفة طريق سريع موصل للشهرة كما قلت سابقًا، وبطرفة عين تجد نفسك متابعًا من قبل المئات والآلاف والكل يشير إليك بالبنان وكأنك تخطط لكشف أسرار مثلث برمودا!

المؤسف في الأمر فعلًا أن الكثير ممن يتصدر هذه المواقع صار يحدث الناس بما يجب عليهم أن يقولوا أو لا يقولوا بل ويطلب منهم تبنّي وجهات نظره ونشرها والاستماع لكل ما يقول فهو الأيقونة الواجب اتباعها.

ومن ناحية أخرى أيضًا قد يصاب المرء بالحيرة والدهشة فعلا حيث يتحول رواد مواقع التواصل إلى نقاد ومحللين وأدباء وناشطين وسياسيين ومهما كانت القضية المطروحة تجدهم يولونها حق الاهتمام ويضعون مختلف آرائهم فيها، سواء كانت تهمهم أو لا، بل سواء فهموها أم لم يفهموها فالغرض هو التفاعل واستقطاب التفاعل أيضًا وكأن عصر التخصص والتدقيق لا وجود له في زماننا.

باعتقادي: تكمن هنا المشكلة الحقيقية في الفراغ فالوقت الفائض والزائد ولّد لدى البعض طاقة ما بحاجة إلى حرقها وكما يبدو أن مواقع التواصل هي الساحة المناسبة لذلك فهي ما يجعل الشخص يشعر بالأهمية والعظمة وهي من تستنزف الوقت كله بحيث لا يشعر أحد بأنه فارغ وهي أيضًا من تصنع من الحبة قبة .

قد لا يرى البعض هذا الأمر مثيرًا للاهتمام ولا يستحق النقاش لكن تظل هذه الظاهرة مستفحلة وموجودة، تزداد آثارها خصوصًا عند الناشئة فالثقافة المصنوعة من الفيس بوك ثقافة واهية إن استحقت أصلا مسمى ثقافة.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X