المنتدى

تونس على صفيح ساخن!

من حسن حظ تونس أنها كانت في مرتبة متأخرة لدى العقل المدبر إقليمياً للانقلابات

بقلم / سليم عزوز:

«عين وأصابت الثورة التونسية»، التي بدت إلى حين إشعار آخر، أنها الثورة الناجية، في بلدان الربيع العربي، والتي تم العصف بثوراتها بشكل أو بآخر، وظلت تونس هي نقطة الضوء في هذا النفق المظلم، وربما يعد هذا سبب الأزمة!

فالهزيمة التي تعرضت لها الثورات العربية، ولاسيما في مصر، دفعت الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، لأن يظهر مختالاً بقدرته على إنجاح الثورة، والاعتماد كلية على قدرته على المناورة، وأنه القادر على إعطاء الدروس في السياسة، التي لم يتعلمها غيره، لكنه أحاط بها علماً نتيجة وجوده في لندن، أم الديمقراطية الحديثة، في حين أن من دونه لم تتح لهم هذه الخبرة، ولم يكن هذا صحيحاً.

فالصحيح، أن من حسن حظ تونس، أنها كانت في مرتبة متأخرة لدى العقل المدبر إقليميا للانقلابات، فقد جاء ترتيبها بعد التجربة المصرية، التي أرادت القوى التونسية محاكاتها، فأطلقت حركة «تمرد»، كما دشنت جبهة الإنقاذ، وقد راعني أن الأخيرة لا تزال قائمة إلى الآن، رغم أن «جبهة الإنقاذ» صارت عنوانا سيئ السمعة في مصر، ونموذجاً عملياً على معنى الكفاح الفاشل!

ونأتي إلى ما هو أهم في الحالة التونسية، وهو أن الحكم انتقل من الاستعمار إلى شخصية مدنية، على العكس من حالة مصر، وليبيا، واليمن، إذ أن الانتقال تم للعسكر، وبانقلابات عسكرية قام بها قلة من الضباط من صغار الرتب، في حين حرص الحبيب بورقيبة نظرا لخصوصية تجربته على إبعاد الجيش تماماً عن العمل السياسي، وقد أراد قائد الجيش بعد الثورة التونسية أن يجرب حظه في القفز على السلطة بعد نجاح الثورة، لكنه وجد الفرصة غير مواتية، في حين استلم المجلس العسكري في مصر الحكم من مبارك عقب تنحيه، فهل يستمر الجيش التونسي بعيداً عن السياسة؟!

لقد كان دعاة الانقضاض على التجربة يسيرون مع مصر خطوة بعد خطوة، محاكاة لما أقدمت عليه أحزاب الأقلية، ومن يبغونها عوجاً وكان اللافت أن دخول الدولة العميقة، والجيش، تم في مرحلة تالية، وإذ حدث في تونس الأمر ذاته فلم يكتمل المخطط لأن الجيش بعيداً عن السياسة، ولأن الدولة العميقة لم تؤوب مع هذه الأحزاب، وهو الأمر الذي ظل قائماً مع التجربة الحالية!

لقد دعت «عبير موسى» إلى مظاهرات عارمة في الشارع، فلم تحضر الدولة القديمة، وجاءت مظاهرات هزلية، مثلت مسخرة من العيار الثقيل للقنوات التلفزيونية التي نقلتها؛ ذلك بأن الدولة العميقة لا ترى في «عبير موسى» أنها تمثلها، ولم تكن شيئاً مذكورا في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، وليست هي من تمثل الحزب الدستوري، سواء في طبعته النضالية في مواجهة المستعمر، أم في امتداداته بعد أن صار هو الحزب الحاكم، كما أنها لا تمثله في طبعته الأولى أو الأخيرة بعد إدخال تعديلات على اسمه في السنوات الأخيرة من حكم بن علي، فهل تستمر الدولة العميقة والممثلون الحقيقيون للحزب الحاكم سابقاً بعيداً عن الدعوات للحراك التي تتبناها «عبير»؟، والتي يدفع حجمها الخفيف سياسياً، والتعبير عن المرحلة التي قامت عليها الثورة، حرجاً لأحزاب الأقلية يمنع من المشاركة في دعواتها للتمرد؟!

في التجربة المصرية، ظلت القوى الجديدة، رغم المشاحنات التي بينها تبتعد عن الحزب الوطني الحاكم، إلى أن كانت الدعوة إلى 30 يونيو 2013، عندئذ قال حمدين صباحي، أحد رموز هذه الهبة لأنصاره لا تسألوا إن كان من بجواركم في هذا اليوم ينتمون للحزب الوطني، أو إلى نظام مبارك، لإدراكه أن أحزاب الأقلية التي شكلت جبهة الإنقاذ، لا تملك القدرة على التعبئة والحشد، ولابد من «نواة تسند الزير»، وفي الحقيقة كانت الجبهة ومشتملاتها «تمرد وغيرها» هي «النواة» وليست «الزير»!

وتصل التجربة التونسية إلى منعطف خطير الآن، بدعوة الرئيس «قيس سعيد» الجيش إلى حماية الشرعية، وهذا هو العبث بعينه، فليس للرئيس في الجيش ما يدعوه لذلك، إلا بعض الخيالات عن الجيش الذي حمى الثورة، كما أنه لم يشارك في تعيين قياداته، وربما ليست لديه الدراية الكاملة بشؤونه، إنها دعوة لمن يملك القوة، وهو الأمر الذي يخيف، حتى وإن كانوا من أولياء الله الصالحين!

تكمن أزمة “قيس سعيد» النفسية في عدم وقوف جبهة شعبية مرئية خلفه، وفوزه في جولة الإعادة، ليس لشخصه، ولكنها أصوات ضد خصمه، وهو يرى أن حركة النهضة لم تنتخبه سوى مضطرة، ولم يكن خيارها الأول، وكان يمكنه أن يبني على هذه الخطوة، وينتقل إلى زعيم للثورة بكل تكويناتها، بل وللتونسيين جميعاً، لكن من الواضح أن قدراته فضلا عن خبرته السياسية التي هي والعدم سواء، لا تؤهلانه لذلك، فقرر أن يكون منافساً للنهضة وليس حليفاً لها، ربما لأن الدائرة المحيطة به، هي من تعادي النهضة، التي لم تقترب من الرجل، وتبني تحالفاً معه، فصار يرى فيها خصماً لا حليفاً. في المقابل، أصاب النهضة الكثير من عدم التوفيق، بداية من الدفع بالشيخ عبد الفتاح مورو للترشح للانتخابات الرئاسية، ربما لكي تتخلص منه، وتفسح الطريق للغنوشي لكي يكون رئيساً للبرلمان، وذلك بدلاً من أن تلتف حول الرئيس السابق المنصف المرزوقي، وهو رجل قوي لم يكن ليسلمها أو يخذلها!

ثم كان عدم التوفيق لحركة النهضة، في حرص الشيخ راشد الغنوشي على أن يكون رئيساً للبرلمان، ليصبح هدفا سهلاً لخصومه، مع عدم قدرته بحكم كبر السن للضبط والربط وردع المتطاول عليه والمتجاوز لحدوده، على النحو الذي تمثله «عبير موسى» ونواب حزبها، ويبدو الرجل بضعفه كما لو كان ساعياً لهدايتها، بدلاً من القيام بردعها.

لقد قالت النهضة إن «عبير موسى» تهدف إلى الانقلاب على الشرعية. وماذا بعد هذا الإعلان التاريخي؟ والتقط الرئيس «قيس سعيد» الخيط واستدعى الجيش، وقد لا يرى إلا في ذاته عنوانا للشرعية، ليتمكن من حل عقدة أخرى من عقده بتغييب النهضة، بالعودة للنظام الرئاسي، فلا يرضي غروره، وربما غرور من حوله، أن يكون حاكماً عربياً منقوص الصلاحيات!

ويقضي على المرء أيام محنته.. حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن!

كاتب وصحفي مصري

azo[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق