المنتدى

عن الحكم العسكري في أمريكا

أسطورة أمريكا التي صدّقها عامة «العالمثاليين» بدأت تتفتق كاشفة دكتاتورية وقمعاً لا يقل عما يجري في عالمنا الثالث

بقلم / توجان فيصل:

أسطورة أمريكا التي صدّقها عامة «العالمثاليين»، بخاصة الشباب الباحث عن فرصة عمل أو الفار من قمع الأنظمة الدكتاتورية، بدأت تتفتق كاشفة دكتاتورية وقمعاً لا يقل عما يجري في عالمنا الثالث، بل ويفوقه فيما تفعله أمريكا بعالمنا الثالث. وأفظع جرائم أمريكا تبدّت في منطقتنا بإحدى الذريعتين اللتين تكرّر زعمهما، وهما إسقاط دكتاتورية وإرساء دولة ديمقراطية، كما برّرت حصارها وغزوها للعراق لتدخل التاريخ بارتكاب جرائم مُوثّقة عالمياً ولا تقل عما نُسب للنازية. وفي أفعانستان بزعم القضاء على حُكم إسلامي مُتطرف، فيما دأبت أمريكا تدعم مُتطرّفين أشد عنفاً ودموية، بعضهم حكّام تسميهم حلفاءها. حقيقة جرائم أمريكا هذه وعاها عسكريوها، ولكن من استنكرها وتألم لها جرى تسريحه أو استقال، ووزرها أنتج أمراضاً نفسيّة ولحالات انتحار عديدة تتسرّب أخبارها رغم التعتيم الجاري. والساديون المُستمتعون بتنفيذها طوعاً وابتكارها دونما حاجة لاستئذان قيادتهم، أُبقوا وجرى ترفيعهم لرُتب ومواقع قرار، وجُلهم توارثتهم إدارات تلت، جمهورية وديمقراطية.

هذا معروف عن أمريكا، ولكن ما بات يتكشّف حديثاً أن أمريكا توظّف ذات الحُكم العسكري داخل أراضيها وعلى شعبها، وبذرائع قديمة منذ قيامها ككنفدرالية بدستورها الذي شكّل صورة أمريكا الوردية، وبما يصل لخرق أحكامه باستحضار ذرائع قديمة أو اختلاق أخرى جديدة. والمُمارسة الأشيع في هذا الشأن هي توظيف القوة العسكرية داخلياً وصولاً للقتل، واعتقالات بلا مُحاكمة.

وهذا تفاقم وظهر للعيان في حُكم ترامب نتيجة تهوره، مضيفاً لما تبدّى من تهوّر بوش الابن وسكوت النُخب الأمريكية الحاكمة عنه (ديمقراطيوها كما جمهوريوها) وتمتع بوش بمزايا «رئيس سابق» بدل مُحاكمته كمجرم حرب.. هذا السكوت يشي بتواطؤ جارٍ بين عُتاة الحزبين، ما يُحيل ديمقراطية أمريكا للعبة الطواقي ولعبة الكراسي أكثر منها لديمقراطية تمثل إرادة الشعب. حال كحال العالم الثالث ويبدو أفقه أسوأ. ففي العالم الثالث تغلُب مُحاسبة النظام المعزول حتى إن كرّر الحُكم المُستجد آثام سلفه، بينما في أمريكا تغيب هذه المُحاسبة، ما يجعل مُمارسة الخطايا، بما في خرق الدستور وخرق لوائح حقوق الإنسان الدولية، من امتيازات الحُكم!.

هذه الخلفية تسهّل تغوّل أي رئيس، ولكن ترامب مهّد لتغوّله على الشعب الأمريكي مُتعدّد الأصول العرقية، بتصعيد ضد جوار ولاجئين من تلك الأصول ، كان السماح لها باللجوء أو الهجرة يتوفّر لغرضين نفعيين لكابر الرأسماليين المُتحكّمين بأمريكا. فالهجرة وفّرت لهؤلاء كمّاً من العمالة المُتدنية الأجر والمقام (في المزارع والمصانع وكخدم في البيوت)، مما يستنكف عنه الأمريكي ويقبض مثل أجره من «الضمان الاجتماعي». وأيضاً هي وفّرت لهم، برخص نسبي، «العقول» المُهاجرة من مُختلف دول العالم الثالث أو المنكوب بقمع أو بحروب الغالب أن أمريكا هي من شنّتها أو لها يد فيها. ولكن الفورة الرقمية وفّرت لأمريكا العديد من الخبرات عن بُعد، ولم تعد تستقطب سوى نخبة النخب. والعمالة الرخيصة مُكتف بها. وما يلزم من الإثنين يوفّر لأمريكا بالهجرة السكانية النخبوية ضرباً لأعدائها، أو الإخلائية بعامة خدمة سياسية لحلفاء أمريكا وفي مقدمتهم إسرائيل.

ترامب نفّذ كل ما كان يفعله سابقوه ولكن بفجاجة غير مسبوقة، ووصل حد سحب أطفال اللاجئين ووضعهم في أقفاص، والشروع في خطة تفتقد كلياً للعقل، كبناء سور على حدود المكسيك. والأخطر هو تكريس وتوسيع دور الجيش، ليس فقط في مُمارسة عنف، بالتعذّر بتهريب البشر أو البضائع بل هو مد صلاحيات الجيش لتطبيق ذات الممارسات – التي كانت تطبّق ضمن حدود 25 ميلاً داخل أمريكا مع جيرانها غير المرغوبين والتي تصل لجرائم تخرق حقوق الإنسان – على الشعب الأمريكي، وخرق حقوق الولايات في الدستور الفيدرالي بتسليط قوة عسكرية على احتجاجاتهم السلمية، كما في قمعه العسكري للمُظاهرات التي خرجت مُستنكرة التمييز العنصري لدى مقتل مُواطن أسود عمداً على يد رجل شرطة له تاريخ في العنصرية.

وترامب امتداد لحُكم الجمهوريين العسكري واللاإنساني بدرجة تشريع التعذيب، ولهذا هم ينسّقون ويتشاورون مع المحامي الذي برّر لإدارة بوش مُمارسة التعذيب لمعتقلي جوانتانامو.. فيما ترامب زاد على هذا بتشجيعه استهداف المواطنين بالجملة، وإعطائه لما أسماه «فائض» أسلحة عسكرية لدى الجيش الأمريكي، لقوات الأمن المُكلفة بحماية الحدود، والموظفة الآن لقمع الأمريكان في ولاياتهم الداخلية لدى أي احتجاج. وهو ما أدى لتقديم مجلس النواب، الذي يُسيطر عليه الجمهوريون، لمشروع قرار يحظر هذا، ورفض وأسقطت أغلب مواده في مجلس الشيوخ (السينيت) الذي يُسيطر عليه الجمهوريون. وهذا لا يوفّر تبرئة تامة للديمقراطيين من الحكم العسكري الجاري، ولكنه يوفّر فروقاً في حدته جلها نفعي.. ولقصة الحكم العسكري في أمريكا بقية.

كاتبة أردنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق