كتاب الراية

تحت المجهر .. جائحة «فيروس- كورونا»… دُروس وَعِبَر (1)

دور مهم للنُّخبة في توجيه المجتمع وتصحيح الرؤى تجاه التحديات المُلحة

 لقد أصبح من الضرورة بمكان، التوقف اليوم لإعادة الحسابات وتغيير السياسات على المستوى الحكومي والقطاع الخاص والأفراد، فيما يتعلق بطبيعة التحديات التي يتعرض لها «المجتمع»، التي كشفتها جائحة «فيروس- كورونا».. كالخلل الجسيم في التركيبة السُّكانية، وهيمنة ثقافة الاستهلاك، ومدى استعداد وكفاءة المؤسسات التعليمية والبحثية والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في مواجهة هذه الأزمة، وغيرها من الأزمات المختلفة التي تتعرض لها مجتمعات ودول الخليج العربية. وهنا لابد أن نُشير إلى أهمية دور النُّخبة من المُفكرين والمثقفين والمهنيين بجميع فئاتهم، في تَحمل مسؤولياتهم التاريخية لتوجيه المجتمع لتصحيح الرؤى تجاه هذه التحديات المُلحة.

وسوف نتناول في هذا المقال، والذي يليه، محصلة مما أفرزته أو يمكن أن تفرزه هذه الجائحة من تأثيرات وتغييرات جوهرية في بعض الجوانب والمعالم المجتمعية المحلية.. أملاً في استخلاص بعض الدروس والعبر، وهي جَمّة، التي يمكن الاستفادة منها. وبَعضٌ منها تضاف إلى كثير من الدراسات والمقالات التي قُدمت من عديد من مفكري المنطقة على مدى عقدين أو أكثر، على طريق التزامهم الوطني ومساهماتهم الفردية، لتصحيح الأوضاع السلبية التي رافقت خطط التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية. هذه الخطط، التي اتسمت بافتقارها شمولية المرتكزات والاستراتيجيات وقصور الآليات.. وعدم استيعاب خصوصية المجتمعات المحلية عند نقل التجارب المعلبة الجاهزة التي فشلت في إحداث النقلة التاريخية في التنمية الشاملة، بأقل الخسائر في بُنى المجتمع وإرثه التقليدي وقِيَمه الدينية وهويّته القومية.

في سنوات الوفرة، ما بعد النفط، تَغيرت الثقافة المحلية السائدة والعادات المعيشية في المنطقة، فأصبح السائد هو ثقافة جديدة، أفرزتها هذه الوفرة وعَملت على تحطيم كثير من العادات والأنماط السلوكية السائدة.. بل أحدثت تغييرات جذرية في طبيعة العلاقات المجتمعية التي أعطت للمنطقة خصوصيتها وَشكلت هويتها التاريخية.

كان الفرد في تلك الحقبة التاريخية ذاتي الإنتاج والعائلة مترابطة، لذا كان باستطاعة «المجتمع المحلي» البقاء والحياة والديمومة بالرغم من الظروف القاسية التي واجهته في صراعه من أجل البقاء في أرض جرداء بلا كَلأ ولا ماء، بموارد فقيرة، وبيئة جغرافية قاسية براً وبحراً، وتهديدات خارجية من جميع الاتجاهات من باطن الجزيرة العربية أو من خارجها. مَجموع هذه العوامل، حَمَلت في جَوفها عوامل تفتيت ومعاول هَدم لأسس المجتمعات الناشئة. وبالرغم من ذلك، صمدت هذه المجتمعات الصغيرة العدد، لكن الكبيرة في إيمانها وحبها وتمسكها بالأرض، والقادرة على رسم خطواتها وتطلعاتها بِثقة لمستقبلٍ أفضل.

وعلى النقيض، أصبح الفرد اليوم بلا إنتاج حقيقي يُعادل ويوازن ما كان يُنتج قبل ظهور النفط.. وانتهى جُل الإنتاج اليومي المُحرك للمجتمع والدولة إلى التجمعات السكانية الوافدة في المنطقة… أما مسألة بقاء الأفراد المواطنين الذين لا تتجاوز نسبتهم ١٠٪ من السكان، فهو مرتهن بقدرة الدولة على توفير الدعم الاقتصادي والاجتماعي وفرص العمل الحكومي لهم، للبقاء على قَيد الحياة.

وعند حدوث الأزمات، كما رأينا في بداية ظهور جائحة «فيروس- كورونا»، تهافت الناس إلى الشراء.. والشراء.. وتكديس الأطعمة والمشروبات خوفاً من المجهول.. والسؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه، هل الحل هو في التخزين المنزلي، تجنباً لتقلبات السوق عند حدوث الكوارث الطبيعية والحروب وتفشي الأوبئة والأمراض؟ أم الاعتماد على الشركات الكبرى لتوفير احتياجات الناس؟. أم الحكومات المحلية والدولة؟، فيما يُعرف ب «دولة الرعاية» التي يأخذ الفرد منها الغذاء والدواء والطبابة والعمل، حتى تنتهي خدمة الفرد ويبلغ سِن التقاعد، ليبدأ معاناته في اعتماده شبه الكُلي على الدولة لإبقائه حياً.. أم هناك طرق أخرى موازية أو بديلة للبقاء حياً؟.

(للحديث بقية)

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

العلامات

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق