المنتدى

تاريخ الفكاهة في مصر «14»

قدّم كامل الشناوي نجوماً لامعة مثل صلاح حافظ ومحمود السعدني وأحمد رجب

بقلم – سامي كمال الدين ( إعلامي مصري) :

بالرغم من أن كامل الشناوي لم يدرس الصحافة، إلا أنه ضرب أروع الأمثلة للصحفي الذي يستطيع أن تكون له مبادئ وقيم يقدسها ولا يحيد عنها، حتى لو اضطر للخلاف مع أصحاب الصحيفة التي يعمل فيها، حينما سارع من يعمل معهم لتأييد معاهدة صدقي- بيفن، وأيّدوا رئيس الوزراء إسماعيل صدقي في فرض المعاهدة على مصر، انبرى كامل الشناوي معارضاً لها، داعياً الشعب المصري لرفضها على صفحات جريدتهم، وكتب مقاله الشهير « ألعنها.. ولا أوقعها».
وفي صحيفة «كوكب الشرق» اقترب الشناوي من الدكتور طه حسين، وعُين مديراً للتحرير بعد عام من عمله بها، وقرّب طه حسين كامل منه، أحب فيه سخريته وروحه المرحة، وكان كامل ينشر مقالات ساخرة باسم مستعار.. ولأن وقوف الماء يفسده فقد اختلف الدكتور طه حسين مع أحمد حافظ عوض صاحب «كوكب الشرق»، فتركها ليصدر جريدة « الوادي»، وذهب كامل معه.
دأبت « الوادي» على مهاجمة إسماعيل صدقي وحكومته، وأخذت الكثير من جهد ومال طه حسين، ولما نفد المال أغلقت الجريدة، فانضم كامل إلى جريدة «روز اليوسف» اليومية، ثم المجلة الأسبوعية، حيث دعت السيدة فاطمة اليوسف صاحبة الجريدة عباس العقاد للكتابة في «روز اليوسف» ككاتب أول، فاشترط وجود كامل الشناوي معه.
فرح كامل كثيراً بهذا النجاح، فها هو العقاد كاتب عصره يشترط على روز اليوسف أن يعمل معه هذا الصحفي الصغير في مجلتها، فأفنى الكثير من جهده في العمل فيها.. وكان محمود عزمي رئيساً للتحرير، وكتب كامل مقالاً يومياً في الصحيفة يعبّر فيه عن رأيه في سياسة البلاد.
حققت المجلة نجاحاً كبيراً لكنها بدأت تعارض سياسة النحاس باشا بعنف.. وهنا أخرج حزب الوفد بياناً أعلن فيه أنه لا علاقة للجريدة بالحزب وأنها لا تعبّر عن رأيه، فهبط توزيعها وأغلقت جريدة «روز اليوسف» اليومية، فاستدعى أنطون الجميل صاحب «الأهرام» كامل الشناوي للعمل معه، محرراً للبرلمان ، نشر كامل عدة أحاديث صحفية في جريدة الأهرام أثارت ضجة كبيرة، منها حديثه مع أحمد لطفي السيد الذي قال فيه لطفي السيد إنه في الساعات الأخيرة من حياته سوف يزرع شجرة !.
بعد ذلك انتقل كامل للعمل مع مصطفى أمين، حيث ترأس مصطفى إدارة تحرير مجلة آخر ساعة عام 1938 وحين ترأس مصطفى إدارة تحرير مجلة « الاثنين عام 1942 طلب من الشناوي كتابة عمود أسبوعي «سمعتهم يقولون «، وفي عام 1944 عُين كامل رئيساً لتحرير مجلة « آخر ساعة «.. وفي عام 1949 تم تعيينه رئيساً لتحرير الجريدة المسائية الصادرة عن حزب الوفد، ولما أغلقت عاد للعمل بالأهرام رئيساً لقسم الأخبار ثم تركها عام 1952، ثم عمل رئيساً لتحرير جريدة الجمهورية، وفي ديسمبر عام 1962 عُيّن رئيساً لتحرير جريدة الأخبار وظل بها حتى رحيله.
على الرغم من تفرد موهبته الشعرية على موهبته الصحفية إلا أنه كان كاتباً له مكانته وله قراؤه، وكانت له «خبطات» صحفية تهز الوسط السياسي، وكانت أحاديثه الصحفية والسياسية علامات قبل ثورة 23 يوليو 1952 تدعو لها وتحض عليها.
كما أن الرئيس جمال عبد الناصر استجاب لمطلبه وخصه بأول حديث له في الصحافة العربية والأجنبية على مدى أربع ساعات، كان الحديث شاملاً، تحدث فيه ناصر عن كل شيء من الثورة إلى الاتحاد القومي إلى الوضع الاجتماعي بمصر والمعتقلين السياسيين!
بالرغم من أن كامل الشناوي عايش عصر الملك فاروق واقترب من الملك.. وكان الملك يعرف كامل الشناوي ابن ثورة 1919 الذي أحب سعد زغلول وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، بل إن الملك أمر بأن يرشح كامل نفسه في مجلس النواب في دائرة «الزعفران» التي تتبع الأوقاف الخاصة الملكية، وحقق كامل نجاحاً ساحقاً فيها، ووقع عليه الاختيار مع عشرين صحفياً للحصول على رتبة «البكوية «، لكنه لا يُشترى بمال أو « بكوية».. فخلال أزمة الرأي العام مع القصر الملكي عام 1950 بسبب تشريعات الصحافة التي حاول الملك تمريرها فتصدى كامل للاعتداء على حرية الصحافة والرأي.. حيث تقدم وقتها أحد النواب بطلب لمنع نشر أنباء القصر الملكي دون موافقة القصر، وتقييد حرية الصحافة، فقاد كامل حملة صحفية شرسة انتصرت فيها حرية الصحافة في النهاية.
كان دوماً يردد أن «الصحفي ليس من يثير الرأي العام، ولكن الصحفي هو من يستطيع خلق رأي عام لفكرة أو مذهب أو اتجاه».
قدّم كامل الشناوي عدة مواهب أصبحت نجوماً لامعة بعد ذلك مثل صلاح حافظ ومحمود السعدني وكمال عبد الحليم وفتحي غانم ويوسف إدريس وأحمد رجب وكمال الملاخ وكمال الطويل وبليغ حمدي وأنيس منصور، يقول يوسف الشريف «هناك الكثير من الكتاب والصحفيين يتعهدون بعض المواهب في وقت أو آخر.. وتلك سنة الحياة، لكن كامل الشناوي كان مختلفاً عن الجميع في فهم معنى «رعاية المواهب».. كان يفهم هذه الرعاية فهماً علمياً عميقاً خالصاً.
الأديب الناشئ مثلاً يحتاج إلى كتب إذن فليمنحه عشرات الكتب، هدية لا ترد.
ثيابه ليست كما يجب، يصحبه إلى «الترزي»، ويكسوه كما يجب.
ليس له مسكن.. يخصص له غرفة في بيته يعيش فيها إلى أن يجد له مسكناً.
لا أحد ينشر إنتاجه، ينشره كامل بنفسه، وإذا رفضت الصحيفة أن تدفع له دفع هو من «جيبه» وأخفى السر عن الأديب الناشئ».

@samykamaleldeen

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق