المنتدى

معيقات الواقع العربي للنهج الديموقراطي

الحالة السياسية العربية ما عادت مُقتصرة على حكومات وأحزاب

بقلم – د. علي محمد فخرو:

موضوع الانتقال إلى الديموقراطية في بلاد العرب يحتاج إلى مراجعة بين الحين والآخر بسبب التغيّرات الكبيرة السياسية التي لها تأثيراتها على هذا الموضوع الحساس.
لقد طرح هذا الموضوع كبار المُصلحين العرب منذ أكثر من قرنين، خصوصاً بعد الغزوة النابليونية لمصر واحتكاك العرب المُباشر مع حضارة ومُجتمعات الغرب الأوروبي. وعبر قرنين ظل الموضوع يراوح بين شد وجذب ونقاشات لا نهاية لها. لكن وصل طرح الموضوع إلى زخمه منذ حوالي ربع قرن، عندما نوقش في عشرات المؤتمرات وفي مئات المؤلفات الرصينة، وعندما أنشئت مراكز متخصصة في الموضوع الديموقراطي من أجل ترسيخ المفاهيم والمنهجيات الديموقراطية في الحياة الثقافية والسياسية العربية.
في تلك المُناقشات التي عُقدت منذ ربع قرن جرى استعراض العوامل المُجتمعية والسياسية والظروف الإقليمية التي قد تعيق الانتقال إلى الديموقراطية، ووضعت تصوّرات عن نوع الديموقراطية المطلوبة في حدها الأدنى. حتى ذلك الحين تركّزت عوامل الإعاقة للانتقال إلى الديموقراطية المُماثلة لديموقراطيات الغرب في حقلين:
(السياسة و الثقافة)، أما العوائق السياسية فاشتملت على الأنظمة العسكرية التي حكمت العديد من بلدان العرب، وأنظمة حزب الحكم الواحد الشمولية المتأثرة بالنظام السياسي الشمولي في الاتحاد السوفييتي، وضعف مؤسسات المجتمع المدنية الحزبية والنقابية والمهنية، وتركيبات الدولة التقليدية القائمة شرعيتها على الولاءات القبلية والعشائرية والعائلية، وانتشار وقبول شعارات من مثل، لا صوت يعلو على المعركة ضد الاستعمار أو المعركة ضد الصهيونية، وترسّبات تاريخ الاستبداد الطويل في الحياة العربية، وأخيراً في صراعات النخب فيما بين التي قادت الحراكات الوطنية من أجل الإستقلال وبين التي خرجت من رحم الثورات والانقلابات.
أما العوائق الثقافية فتمثلت في مبدأ الطاعة الفقهي الشهير الذي لا يُجيز الخروج على ولي الأمر إلا تحت شروط تعجيزية، وفي المُماحكات السياسية حول كلمتي الشورى الإسلامية والديموقراطية العلمانية، وفي هيمنة قيم وسلوكيات وفكر المجتمع البدوي والقروي في فضاءات ومدن وعواصم العرب الرئيسية، وفي وجود قوى إسلام سياسي كبير لا يُريد أن يُضيف إلى شعاره الشهير القائل بأن «الإسلام هو الحل» أي شعار عصري آخر تتطلبة الظروف العربية المُتجدّدة.
كانت تلك عوامل ثقيلة ومُعقّدة، مُرهقة لمن يريد مُواجهتها. وما كان بالحسبان إلى أنها ستصبح أكثر وأعقد وأثقل بفعل التغيرات الهائلة التي اجتاحت الوطن العربي في العشرين سنة الأخيرة.
ذلك أن الساحة السياسية العربية ما عادت مُقتصرة على حكومات وأحزاب، فالحراكات الجماهيرية قادها الشباب غير المُنتظم في أحزاب مما جعل للتنظيمات الشبابية غير الحزبية حضوراً فاعلاً. والتنظيمات الجهادية العنفية الإسلامية المُتزمتة المُرتبطة بجهات حكومية واستخباراتية خارجية وداخلية أصبحت لها تأثيراتها الهائلة في الكثير من المجتمعات. ونجاح دول إقليمية من مثل إيران وتركيا في أن تصبح قوى مُتواجدة ومُؤثرة في العديد من الأقطار العربية عقّد الحياة السياسية العربية برمّتها. والصعود المُذهل للنفوذ والتواجد الصهيوني في العديد من الأقطار العربية ينبئ بأن حكومات الكيان الصهيوني والمؤساد سيلعبون أدواراً مُستقبلية مُدمّرة. وهوس الغالبية الساحقة من الحكومات العربية بالموضوع الأمني على حساب كل موضوع مُجتمعي آخر جعلها في عداوة وجودية مع أية ممارسة ديموقراطية حقيقية، إلا إذا كانت شكلية مزيفة.
وفي الساحة العالمية برزت عوامل مؤثرة جديدة. فالثقافة العولمية المُرتبطة بالنيولبرالية الرأسمالية أدخلت الملايين من الشباب العربي في عوالم الاستهلاك النهم والفردانية غير المُلتزمة بالخير العام وبالتالي أضعفت وعيهم السياسي وسطحته. ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة طيّعة في يد من يُريدون التلاعب بالأفكار والمشاعر وتوجيه الجمهور نحو الوجهة التي تخدم مصالح أصحاب المال والنفوذ والهيمنة. وإذا كانت جهات مشبوهة قد استعملت تلك الوسائل ونجحت في التأثير على نتائج من مثل الانتخابات الأمريكية الأخيرة وعلى نتائج استفتاء الرأي العام الإنجليزي بشأن الخروج من الاتحاد الأروروبي، وذلك بالرغم من كل وسائل الرقابة الإعلامية والحكومية في البلدين، فإن الإنسان يمكن أن يتصور الدور الهائل الذي ستلعبة مُستقبلاً في الحياة السياسية العربية سلباً وإيجاباً، مما سيجعلها أحياناً أداة لتزييف اي انتقال ديموقراطي.
لقد وصفنا في مقال الأسبوع الماضي القلق الذي يُساور مجتمعات الدول الغربية الديموقراطية من جرّاء وجود نقاط ضعف وترهّل وأزمات في مسيرتهم الديموقراطية. وحاولنا اليوم إبراز التغيّرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية، والتي قد تكون لها تأثيراتها السلبية والإعاقية على محاولات الانتقال إلى الديموقراطية في أرض العرب. هل هذا يعني التخلي عن هدف الانتقال إلى ديموقراطية سياسية واقتصادية معقولة وعادلة، حتى ولو كانت تدرّجية؟ أبداً، العكس هو الصحيح.
فموضوع الديموقراطية أصبح قضية وجودية في حياة العرب، وهو ما يحتم أن يدخل الشباب العربي في مُناقشته بتمعن شديد حتى يُحيّدوا العوامل المجتمعية التي ستظل تحاول أن تجعل من الديموقراطية نهجاً سياسياً مظهرياً ومزيفاً لا يقدم ولا يؤخر. وسنتابع طرح هذا الموضوع للنقاش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق