المنتدى

حتى لا نبحث عن «حائط مبكى» جديد

وعي الشعب ويقظة الشباب وجسارة النساء هي الضمانة

كتب / بابكر عيسى أحمد:

نهنّئكم أهلي في قطر وأهلي في السودان بقدوم عيد الأضحى المُبارك سائلًا المولى جلّت قدرتُه أن يعيدَه علينا جميعًا باليُمن والبركات، وأن يجنّبنا اللهُ المحنَ والبلاءَ، وأن يَشفيَ اللهُ البلادَ والعبادَ، وأن تُعادَ علينا هذه المناسباتُ السعيدةُ، ونحن جميعًا في هناء وسرور وصحّة وعافية.

الاختبارُ الذي تمرّ به الأسرةُ الإنسانيّةُ ليس بالاختبار السهل أو اليسير، ولكنّه نوعٌ من الابتلاء الذي يقتضي منّا الصبرَ والدعاءَ بأن يرفعَ اللهُ الغمّةَ عن العباد والبلاد، وأن يوحّد صفوفَنا لمُواجهة كافّة التحدياتِ والمحنِ والمُؤامراتِ التي تستهدف أمنَنا واستقرارَنا، وأن نسقطَ كلَّ تناقضاتنا الثانوية لنواجه تحدّيَ التنمية والرفاهية والبناء.

أفكارٌ كثيرةٌ تتقافز في الذهن وأسى ومرارة تنتابُنا عندما نرصدُ تباعدًا بين قوى الثورة الحيّة، حيث بات التناقضُ والانشقاقُ شعارًا لمرحلة تتّصف بالهشاشة وتتطلبُ بقاءَ الجسم الثوريّ موّحدًا ومُتضامنًا ليواجه تحديات المرحلة، وهي تحدياتٌ كثيرةٌ ومُتعاظمةٌ، لا تستهدفُ فريقًا ضدّ آخر، وإنما تستهدفُ الوطنَ في تطلّعاتِه المشروعة، وفي ترجمة آماله في إقامة حكم مدنيّ يصون الوطنَ ويحقق التنميةَ ويَرتقُ النسيجَ الاجتماعيَّ ويبني المشروعَ الوطنيَّ الموحّد، ومن غير هذا المشروع الجامع والموحّد لجميع قوى الثورة الحيّة فإنّ تحدياتٍ كبيرةً ستواجه المرحلةَ الانتقاليةَ التي رغم مسالبها نقفُ معها قلبًا وقالبًا لنعبرَ بقلبِ رجلٍ واحدٍ هذا المنعطفَ الحادَّ في مسار ثورتنا المجيدة.

أيُّ خلاف بين قوى المهنيين وقوى الحرية والتغيير وهي القوى التي شكّلت قاطرةً للجماهير الهادرة حتى حقّقت النصرَ وأسقطت نظام الإنقاذ البائد، أيُّ خلاف يعتبر خصمًا من رصيد الثورة، ويضعف الجبهةَ الداخليةَ التي يجب أن تكون موحّدة ومتّحدة حمايةً للوطن والمُواطن من خفافيش الظلام والأصابع التي تعبثُ بمعاش الناس وأمنهم واستقرارهم.

وهذه الإشارةُ تنسحبُ على الحركات الثورية التي يجب أن تتوافقَ مع الجميع حول رؤيةٍ جامعة للمشروع الوطنيِّ الواحدِ لنقرّر في النهاية كيف يحكم السودان، وليس السؤال التقليديّ البليد من يحكم السودان.

إذا نظرنا حولنا سنكتشفُ ببساطةٍ أنّ هناك دولًا تملك الثروات، ولكنها تتشظّى في الداخل بسبب التدخلات الخارجيّة، ودولًا أخرى تعيشُ تحت ظلِّ أنظمة قمعيّة، حولت الأوطان إلى زنازين ضيّقة تستوعبُ كلَّ المعارضين، ودولًا أخرى حولنا عبرت إلى مربّع التنمية والاستقرار، مُحققةً الشعار الذي مازلنا نرفعُه وهو حريةٌ وسلامٌ وعدالة.

الآنَ قطعنا شوطًا نحوَ تكليف الولاة المدنيين في الولايات، وهو اختيارٌ ستواجهه العديدُ من التحديات، وتبقى لنا تحدٍّ جديدٌ هو تشكيلُ المجلس التشريعيّ والذي يستوجب توحد الرؤى والمواقف والبُعد عن المُحاصصات وإعطاء الشباب والكنداكات الذين صنعوا هذه الثورةَ المجيدةَ نصيبَهم من المقاعد، ويكون لهم القدح المعلى في إدارة المرحلة المُقبلة، وهي المرحلة التي تحميها لجانُ المقاومة، وقوى الثورة الحيّة.

هلَّ علينا العيدُ ومازال ينتظرنا الكثيرُ، فمعاشُ الناس مازال يمثّل هاجسًا يُعاني منه الجميعُ، وإنّ الخطواتِ التي مشتها الحكومةُ الانتقاليةُ تمثّل بعضًا من الطريق، كما أن الأمنَ يُشكّل ثاني الهواجس، حيث من الأهمية أن تتوحّد القوى النظاميةُ، وأن تواجه التحديات الراهنةَ في الولايات وفي التخوم الحدوديّة مع الدول المجاورة.

المخاطرُ الحقيقيّةُ ما زالت قائمةً وماثلةً في أفق حياتنا، وما لم نتّحد ونتوافق لمُواجهتها فإنَّ الطوفانَ ليس بعيدًا عن شواطئنا، وهو طوفانٌ لن يبقي ولن يذر، وسيحوّل البلاد إلى شظايا وكانتونات مُبعثرة يقاتل بعضُها البعض في ضراوة لم نعهدها من قبل، فوحدةُ قوى الثورة الحيّة هي الضمانةُ الأولى والأخيرةُ لحماية الوطن وانتشالِه من هوّة السقوط.

وعيُ الشعب ويقظةُ الشباب هما الضامنُ الأوحدُ والأساسي للعبور، وعلينا ألا نستهونَ بقوّة الشباب وقدرة النساء على الفعل الثوريّ، والذين يتحدّثون عن عدم قدره النساء على الفعل المُثمر فلينظروا حولهم ليجدوا أنَّ المراة مؤهلةٌ لتولي كلِّ المهامّ وأصعب المسؤوليات، ففي الغرب الذي يفصلنا عنه البحر المتوسّط تجد النساء في كل المواقع في قيادة الدولة، كما هو الحال في ألمانيا، إلى تولّي حقائب الدفاع والاقتصاد والتنمية البشرية وقيادة الأحزاب الكُبرى ورئاسة الحكومات.

ما نحتاجه أن يتعاظم وعيُنا بقدراتنا، وأن ننبذَ الجهويّةَ والقبليةَ والعنصريّةَ البغيضةَ حتى نبني وطنًا مُتجانسًا ومُتصالحًا مع نفسه ومع مُحيطه الإقليميّ والدولي، والبناءُ الشامخُ يكتمل عندما نضعُ الأساسَ الصحيحَ والركائزَ الفولاذيةَ التي لن يقوى شيءٌ على هزّها أو إسقاطها أو القفز عليها للعبور فوق أحلامِنا وأمانينا وتطلّعاتِنا المشروعةِ، وما لم نفعل ذلك سنبحثُ لنا عن حائطٍ لنبكي عليه حزنًا على ثورة مهرناها بدماء الشّبابِ وتضحيات النساء، ولم نحافظْ عليها بوحدتنا وقدرته على الفعل المُثمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق