المنتدى

ديمقراطية راشد الغنوشي

الغنوشي استطاع الصمود في مواجهة الجيش والدولة العميقة في تونس

كتب / سامي كمال الدين:

مثلما كانت تونس هي مفتاح السر في ثورات الربيع العربي، والضوء الذي لمع في السماء فجأة بعد حرق البوعزيزي نفسه، فاشتعلت الثورة التونسية، واتبع ضوءها كل بلاد الربيع العربي، لتشتعل ثورات عام 2011، ويحدث تغيير كبير في كل الدول العربية، تأتي تونس اليوم لتكون مفتاح الديمقراطية في المنطقة العربية.

أُجري اقتراع داخل البرلمان التونسي على سحب الثقة من راشد الغنوشي رئيس البرلمان، ولم يستطع النواب المناهضون للغنوشي الحصول على مبتغاهم « 109 أصوات» لسحب الثقة منه.

قام 97 نائباً بالموافقة على سحب الثقة، ورفض 16 نائباً سحب الثقة، المناهضون للغنوشي والذين صوّتوا ضده رأوا أنه فاشل في إدارة جلسات البرلمان، وأخل بالنظام الداخلي، وهذا ما دعاهم لتقديم عريضة سحب الثقة منه، التي تتطلب أن يوقع عليها ثلث أعضاء البرلمان، من 217 نائباً هم عدد أعضاء البرلمان في تونس.

لم يأت راشد الغنوشي للعملية السياسية مع بداية الثورة التونسية، لكنه يمارس السياسة لأكثر من أربعين عاماً، حيث يتولى رئاسة حزب النهضة منذ تأسيسه، وقام عام 2016 بإحداث تغييرات وتحولات للحزب، منها تحويله من حزب إسلامي إلى حزب مدني يعتمد الديمقراطية الإسلامية، وانتُخب نائباً للبرلمان ثم رئيساً له عام 2019، لكنه دائماً ما يواجه اعتراضات داخل البرلمان من أعضاء رافضين له، ووجهوا له العديد من الانتقادات منها محادثاته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأن هذه اللقاءات والمحادثات من اختصاصات رئيس الجمهورية !.

هل الأمر سيؤدي إلى تحويل تونس من نظام برلمان إلى نظام رئاسي،؟

تردد أنها رغبة الرئيس التونسي قيس سعيد، لكن تغيير النظام يحتاج أولاً إلى تعديل قانون الانتخابات، ولا نغفل دور المحكمة الدستورية الآن مع قيس سعيد، وحالة الاستقطاب الحزبي والسياسي، فالنظام السياسي لن يتغير إلا عبر البرلمان، ثم إنه لابد أن تسقط حكومتان متتاليتان حتى تتم انتخابات جديدة، فهل تحدث في ظل ضعف حركة النهضة، وضعف الأحزاب!.

قادت عبير موسى رئيس الحزب الدستوري توجيه الانتقادات، ودعت لمظاهرات، ووجهت تهماً لحزب النهضة بأنه يشجع الإرهاب في تونس!.

عبير موسى التي كانت مقربة من نظام بن علي، والتي يوجه لها انتقادات بأنها مدعومة من جهات خارجية لم تستطع تحقيق مرادها بإسقاط حزب النهضة وراشد الغنوشي.

هذه المعركة التي تمت عقب اقتراع سري في البرلمان التونسي تكشف عن أن تونس اختارت طريقاً لا رجعة عنه من أجل الديمقراطية، فالغنوشي استجاب للاقتراع، لم يسع إلى الحلحلة والتأجيل، والالتفاف على الأمر، بل امتثل لجلسة سحب الثقة، وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الديمقراطية لرجل يأتي من مرجعية إسلامية هي مرجعية جماعة الإخوان المسلمين، كما أنه رجل صاحب فكر وعلم، ولديه تيار يدعمه، لم يسع إلى الاستقواء به.

كان المدهش أيضاً على الرغم من أن حزب النهضة يعلم الكثير عن مؤامرة عبير موسى الخارجية عليه، أنه لم يسع إلى اتهامها بالخيانة والعمالة، وتقاضي الأموال لأجل هدم البلد.

عبير موسى أيضاً سيدة استخدمت جملاً وألفاظاً غير لائقة، فلم يقابلها الغنوشي بنفس الطريقة.

هي أيضاً امرأة غير محجبة، وهي حسب مرجعية الغنوشي «متبرجة»، ومع ذلك لم يتعرض الغنوشي وجماعته في تونس إلى عدم ارتدائها الحجاب، أو ملابسها القصيرة أو حياتها الشخصية.. مررنا بعدة وقائع مشابهة في مصر منها واقعة ست البنات، فتاة مصرية مسلمة، تم بث الاعتداء عليها مباشراً وصورته الكاميرات في أحداث مجلس الوزراء، مزقت ملابسها وجسدها من قبل قوات الجيش والشرطة، فخرج عدد من الشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين، وعدد من القنوات المؤيدة لهم ووصفوا الفتاة بما لا يليق، حتى إنهم أطلقوا عليها وهي ست البنات الفتاة التي ترتدي «عباية بكباسين على اللحم» إشارة إلى أن الفتاة كانت ترتدي عباءة دون ملابس داخلية، فحين تكالبت قوات الشرطة والجيش بالعصي والهراوات على جسد الفتاة تم تمزيق عباءتها فظهر جسدها، وبدلاً من انتقاد الجلاد أكمل البعض سلخ الضحية!.

المرجعية الدينية لراشد الغنوشي وللإخوان المسلمين خاصة، وللتيارات الإسلامية جميعاً واحدة، تنطلق من أساسيات الدين الحنيف، ثم رسائل الإمام حسن البنا وأفكاره، فمن أين يأتي الخلاف والاختلاف؟!

أراه يأتي من الرجال، وليس من المرجعية، فالقارئ لفكر أبي الأعلى المودودي أو حسن البنا أو يوسف القرضاوي، وتماسه مع السياسة والحكم يدرك أن الدين ثابت لا لبث فيه، الفكرة واضحة، الشرح والتفسير يختلف حسب النشأة والمجتمع المحيط، لذا اختلف موقف راشد الغنوشي والإخوان المسلمين في تونس عن موقف الإخوان في مصر، وفي تركيا أيضاً استطاع أردوغان أن يفرض فكره وسياسته على مجتمع علماني ودستور علماني، ويقدم ما يخدم دينه وبلده وزعامته السياسية، ربما يتعلق الأمر بتغليب أهل الخبرة على أهل الثقة، وطرح الشخصيات والقيادات الدينية والسياسية التي تستطيع نقل فكر وسياسة الإمام البنا عبر العصور، وهو ما لم يستطع إخوان مصر الوصول إليه حتى الآن، فالأمر بحاجة إلى مراجعات هامة داخل الجماعة، ومكاشفة حقيقية لا تقوم على أهل الثقة، وتساؤل بحاجة إلى إجابة: كيف استطاع راشد الغنوشي- رغم العديد من الأخطاء لديه التي بحاجة إلى مراجعات أيضاً- الصمود في مواجهة الجيش والدولة العميقة في تونس والنجاة بسفينة الإخوان، ولم يستطع قيادات جماعة الإخوان المسلمين تحقيق نفس استقراره ونجاحه، على الرغم من أن جماعة الإخوان في مصر هي الأقوى والأكبر والأهم تاريخياً وجغرافياً..؟!

بالتأكيد يجب عدم إغفال عوامل كثيرة في هذه المراجعات منها دور الشعب والنخبة والجيش والشرطة، لكنها تأتي بعد المراجعات الداخلية، وليس قبل.

إعلامي مصري

@samykamaleldeen

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق