كتاب الراية

خواطر .. المرحلة الذهبية (2)

النضج هو الرضا بالقدر والتكيف مع الظروف والضحك على ما فات

ختمت مقالي السابق بأن التغيير هو السُّنة الثابتة في الحياة، ويحدث بشكل تراكمي وتلقائي بتأثير البيئة الثقافية المحيطة مع الرغبة في تطوير الذات ضمن العرف السائد وفي حدود العقيدة. وصلتني عدة مشاركات ممن تمكّن من خوض مضمار العمل بعد سن الخمسين، ومن أخريات عملن على فترات متقطّعة، ثم قمن بتغيير المسار المهني ودراسة مواد جديدة وخوض تجربة مختلفة وإنشاء أعمال خاصة، نبع التغيير من الانخراط بالحياة العملية بشكل مختلف وبعد أن زادت المسؤوليات، كما تولّد من هواياتهن ومواهبهن التي كانت مركونة في زوايا الزمن، فإذا كانت تربية الأبناء نعمة غمرتنا بالسعادة، فلا بد أن إنجاز المزيد سيسعدنا أكثر!

تقول مريم إنها درست الهندسة الكهربائية ثم تزوجت وأنجبت، وبعد مرور سنتين على عملها في إحدى الشركات لم تكن مستمتعة بعملها ولم تطق فكرة قضاء العمر في هذا المجال، فاستقالت وقررت أن تكتفي بدورها ربّة أسرة حتى إشعار آخر، وبعد عشر سنوات اضطرت للالتحاق بزوجها الذي سافر للدراسات العليا ومعهما ثلاثة أبناء، فتضاعفت مسؤوليتها ووجدت نفسها السائق وعاملة التنظيف والطاهية والزوجة والمُعلّمة في بلد مختلف بكل المقاييس، ثم وجدت نفسها تتعلم الرسم ثلاثي الأبعاد من رسّام ماهر على رصيف المدينة.. كما حصل زوجها على عرض وظيفي ووجد في البقاء فرصة لاكتساب خبرة قد تمنحه عروضًا أفضل في بلده لاحقًا، لكنّها لم تستطع الالتزام بأي عمل وقالت: «كان من الصعب أن أجمع بين متطلبات الأسرة ورغبتي في العمل، فأنا أحب إتقان أي مهمة أقوم بها وعلى أكمل وجه، ثم عُدنا معًا تاركين الأبناء في الجامعة، وهنا قررت الحصول على شهادة تدريب ووجهت طاقتي في تعليم الرسم، حتى أنشأت معهد تدريب للفنون الجميلة، ولم أندم يومًا على لقب المهندسة، لأن سعادتي بعملي الجديد أنستني سنين الدراسة وتعب الغربة. أنا لم أخطئ حين درست الهندسة منذ ثلاثين عامًا، لكنني لم أكن شغوفة بعملي لذا تركته لغيري، وأنصح كل شخص أن يستمر في نهل المعرفة وتطوير الذات مع مراعاة الميول الشخصية، فهي التي تدفعنا للإبداع».

أما فاطمة فقصتها مختلفة، إذ توفي زوجها تاركًا لها ثلاثة أطفال كرّست نفسها لتربيتهم وتعليمهم، فلم تستطع العمل لكنها أخذت دورات في قيادة الكمبيوتر، واستمرت في الاطلاع وتطوير الذات حتى ذهب الأبناء للدراسة الجامعية، عندها وجدت أن الوقت قد حان للعمل بعد أن نمّت هوايتها في تنسيق الزهور، تقول: «ساعدني ابني بعد تخرجه في تنظيم أوراق العمل، ثم قال عليك أن تعتمدي على نفسك وتتابعي كل صغيرة وكبيرة، لأنه التزم بوظيفة مرهقة، وكان يردد على مسامعي هل أنت متأكدة من قدرتك على تحمّل كل هذه المصاعب والتحديات، فأتوتر بعض الشيء ثم أقول لنفسي، لقد تحمّلت الأصعب فلم لا أجرّب! ونجحت

صديقتي آمنة واجهت اعتراضًا على العمل حال تخرجها، فهي من عائلة ميسورة وأراد ذووها لها حياة مريحة، لكنّها اعتبرت ذلك تحدياً طبيعياً واستأنفت في إقناع ذويها بإيجابيات الحياة العملية، وأن وفرة المال لا تتعارض مع الرغبة في العمل وتقديم واجب تؤمن أنّه يصب في صالح الفرد والمجتمع، فاقتنعوا وساعدوها في إيجاد الوظيفة التي استغرقت فيها ثماني سنوات، وشاء القدر أن تتعرض لحادث منعها عن العمل، لكنها بعد سنوات توصلت لفكرة إنشاء عمل تجاري خاص لا يُلزمها الجلوس الذي أصبح مُضرّا لها، فكان لها ما شاءت، وتقول: «إن الأهل محور حياتنا ورضاهم يأتي قبل كل شيء، فهم يحبوننا ويريدون مصلحتنا من خلال ثقافتهم الخاصة، فما كان منّي إلا إطلاعهم على التغير المجتمعي الإيجابي الذي يدفع بالفتيات للعمل والدراسات العليا، وكنت أقول لهم لا تضيّعوا عليّ الفرصة، يومًا ما قد أصبح ذات شأن إن وفّقني الله».

النضج لا علاقة له بالعمر، بل هو كم الخبرات التي صقلتنا حتى أصبحنا لا نبالي بالمقارنات، ليس مُهماً مَن يكسب أكثر منا أو من تبوأ منصباً أعلى منّا، لكن المهم هو راحتنا النفسية ورضانا عن أنفسنا بإرضاء الخالق، النضج هو المرحلة الذهبية التي تجعلنا ننهض للعمل بشغفٍ ودون تأفف، وهو السعادة بالعطاء وبالقوة التي نمد بها غيرنا دون خوف من المنافسة، فنشجعهم ونأخذ بيدهم بعيدًا عن الكآبة والاستسلام لحالة ما، النضج هو الرضا بالقدر والتكيف مع الظروف والضحك على ما فات مع التفاؤل المستمر بقضاء حياة سعيدة.

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X