كتاب الراية

تحت المجهر .. جائحة «فيروس كورونا».. دروس وعبَر (2)

الجائحة دَخلت مجتمعاتنا ومنازلنا فزلزلتها وأوقفت حَركتها

يرى الكثير من المُتابعين، أن مسؤولية الدولة هي رعاية الشؤون العامّة الكبرى للأفراد، مثل التعليم والسكن والخدمات الأساسية والصحة، والأخيرة تأخذ حيزاً كبيراً من موازنة الدول لأهميتها. فسلامة المجتمع هي في صحة أفراده، وتعتبر الصحة مؤشراً جيداً للسياسة، ومدى رضا عامة الشعب عن حُكوماتهم وعن المسؤولين.

لكن اعتماد الأفراد على الدولة، لا ينفي أن يكون هناك وعي ذاتي للفرد في تغيير نمط حياته المبني على الهدر في كل شيء.. والاستعداد للمتغيّرات والتخطيط للتعامل مع الأزمات.. وما يمكن أن يطرأ من الخلل في العملية الإنتاجية. من هنا يأتي التركيز على إعادة النظر في ثقافة الاستهلاك التي تستنزف الموارد المالية الخاصة للفرد والأسرة كما المجتمع والدولة.

قبل ظهور النفط، والمراحل الأولى التي سبقت تأسيس دول المنطقة في المجتمعات الخليجية كان الآباء والأجداد يُعانون الكثير من الحرمان والفقر والجوع والمرض والموت في سبيل البقاء أحياء. لذا، لجأت تلك الأجيال إلى الإنتاج الغذائي المحلي في غياب المدينة وقواعدها الصناعيّة التي جاءت متأخّرة. أما الأجيال التي جاءت مع النفط وبعده، استبدلت الثقافات والأنماط السلوكية البسيطة التي كانت سائدة بأخرى مستوردة، غيّرت طبيعة المجتمعات المحلية وحوّلتها إلى «ثقافة الاستهلاك» في كل شيء.

ومع مرور الزمن، أنتجت «ثقافة الاستهلاك»، هذه، طبقة اجتماعية جديدة توسعت في الهرم المجتمعي، هذه الطبقة أصبحت تستنزف مداخيلها، على المطاعم وفي جديد الأزياء والموضة والسيارات الفارهة والإلكترونيات وأدوات التجميل والجراحة التجميلية والأسفار ومنتجات الرفاهية، وغيرها من كل جديد يظهر في السوق. ومن الطبيعي أن تكون لهذه الثقافة انعكاسات سلبيّة على المستوى الفردي والجماعي، وفي مجالات عدة.

ففي المجال الصحي، مثلاً، من أخطر ما أفرزته «ثقافة الاستهلاك»، هو التغير الكلي في العادات الغذائية الخاطئة التي تفتقر إلى أدنى المعايير الصحية وتزيد في الأفراد – وخاصةً الأطفال – الأمراض المختلفة ومنها السمنة والسكري والقلب، ونعني بالعادات الغذائية الخاطئة تلك التي تسربت إلى مجتمعاتنا في الثلاثين سنة الأخيرة، وهي التي تسمّى ب «الوجبات الخفيفة» أو «السريعة» – fast food – مصطلحاً. لكنها أقرب إلى ما يسمّى في بلد المنشأ نفسه ب «junk food».

وفي المجال المعيشي، فإن السائد هو الإفراط في استهلاك الطاقات غير المتجدّدة، والماء في المنازل والمساجد والمجمعات، والمسطحات الخضراء والمزارع غير المُنتجة والاستراحات، وفي المركبات والآليات التي تفوق حاجة الأفراد والسكان.. وغيرها. هذا الإفراط أضاف إلى ثقافة الاستهلاك بُعداً مُجتمعياً يشارك فيه الجميع، مواطنين ووافدين على حد سواء، ومن جميع الفئات والطبقات. فمجانية معظم هذه الطاقات، جذرت هذه الثقافة لدى الغالبية، فأدّت إلى سوء التقدير لها، وعملت على إهدارها، نتيجةً لغياب الوعي الذاتي، والتساهل والتقصير من قِبَل الحكومات المُتعاقبة في عملية الضبط والتقنين. هذا بجانب غياب التشريعات والقوانين لاستخدام التقنيات الحديثة في التحكم في ترشيد الماء والكهرباء. وبِعَقد مقارنة إحصائية علمية دقيقة – في حال تمّ تسجيلها من المُختصين – بين الاستهلاك قبل الوباء وبعده، يمكن وضع اليد على حجم الإهدار في هذه الطاقات، التي يمكن بقليل من الوعي والتقنين التحكّم فيها.

فالمطلوب إذن، وقفة، لمراجعة صادقة مع الذات، من الأفراد والمسؤولين والحكومة، لأخذ العبرة من هذه الجائحة، التي دخلت مجتمعاتنا فأوقفت حركتها وكشفتها، ومنازلنا فزلزلتها، لكن الأهم.. أن تَمس عقولنا وقلوبنا، لتصحّح مساراتها، وتعيد حساباتها وتُرتب أولوياتها، حتى لا تتحوّل ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة هلاك.

(للحديث بقية)

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

العلامات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق