كتاب الراية

من نافذة التاريخ .. أغلى رحلة حج في التاريخ

أثناء مروره انخفضت قيمة العملة بسبب كثرة الإنفاق الكبير من الذهب على الناس والفقراء

عمّ الجفاف مملكة مالي، وقام الملك «برمندان» حسب الطقوس الوثنية بذبح الكثير من الماشية للآلهة، حتى تمطر السماء، لم يحدث ما كان يرجوه الملك، ولم تستجب له الآلهة التي يعتقد بها، أشار عليه أحد حاشيته بسؤال أحد الرجال الموجودين في مملكته، والذي تبدو عليه سمة الحكمة، كان الرجل مسلماً، وقال للملك إن أردت أن تمطر السماء يجب أن تؤمن بوحدانية الله وبرسالة نبيه «محمد» فإن آمنت سوف يكون هناك رخاء كبير، وافق الملك وأشهر إسلامه وتوضأ وجلس مع هذا الحكيم طوال الليل يدعوان الله بالغيث، في الصباح تزاحمت الغيوم في السماء لتمطر مطراً تعطشت له الأرض كثيراً، أمر الملك بعدها بتحطيم كل الأصنام، وأعلن أن مملكته أصبحت على الدين الإسلامي الحنيف.

الإسلام لم يكن غريباً على مملكة مالي تلك المملكة الغنية، فقد تعاملت مع ممالك إسلامية قوية منها إمبراطورية المرابطين في المغرب ولها علاقات حسنة معها، وبدخول هذه المملكة الإسلام أصبحت أهم لاعب سياسي في نشر الدين الإسلامي في غرب إفريقيا المنطقة الغنية، لم يكن إسلامهم صورياً بل حرصوا على استقبال الوفود الدينية للتفقه في الدين الإسلامي ونشره بطريقة تخلو من الشوائب، وقد ساهم علماء المغرب العربي بجهود كبيرة في غرس مبادئ الدين الإسلامي، ولعل اعتناقهم المذهب المالكي دليل تأثرهم بعلماء المغرب العربي.

في تاريخ لاحق ارتقى العرش الملك «منسا موسى بن أبي بكر» وهو شاب أسمر وسيم ممتلئ القامة وطويل، كما تصفه المراجع ومتفقه في الإسلام على المذهب المالكي، أراد هذا الشاب التوجه للحج سنة ٧٢٤هجرية وسبب توجهه هو لأداء الفريضة الدينية الواجبة على كل مسلم، وهناك رأي يقول بأن هناك هدفاً سياسياً بجانب الواجب الديني وهو إيجاد روابط مع كيانات مسلمة قوية مثل المماليك في مصر، ما يعني لنا أنه ذهب في حماس كبير في حملة ذكر عدد من المؤرخين أن عدد الركب فيها ستون ألفاً وإن كان هناك من يقللها إلى خمسة عشر ألفاً، ولكن لندرك ضخامة الركب، نعرج على ما ذكره ابن خلدون بأن عدد المكلفين بحمل الأمتعة كان اثني عشر ألف رجل، من ضمن الأمتعة ثمانون حملاً من الذهب كل حمل وزنه ثلاثمائة رطل، وحينما وصل الركب إلى القاهرة استغرب الناس من الفخامة الكبيرة لهذا الوفد القادم من غرب إفريقيا.

استقبل السلطان «محمد بن قلاوون» الملك منسا، وأحسن إكرامه، الثلاثة أيام التي قضاها في مصر انخفضت فيها قيمة العملة بسبب كثرة الإنفاق الكبير من الذهب على الناس والفقراء.

كلف سلطان مصر أحد أمراء الحج المصريين باصطحاب الملك إلى مكة، كم كان محظوظاً بهذا التكليف، حينما وصل الركب إلى الحجاز، واصل الملك إنفاقه الكبير على الجميع، أخذ يؤدي مناسك الحج بخشوع وطاعة فقد كرس جل وقته للعبادة والدعاء والتأمل والإنفاق في سبيل الخير في هذا الموسم الكبير في الطاعات، يقال إنه منح في يوم واحد أهل مكة عشرين ألف قطعة من الذهب واستمر إنفاقه الكبير حين وصل لمدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم.

أصبح وجود هذا الملك الشاب المفرط في الكرم حديث الجميع بما يتصف به من جود كبير مع الجميع فكان لا يرد لطالب طلباً، واستمر ذكره سنوات طويلة في كل طرق مروره، حتى سرت شائعة أن الذهب ينمو فوق الأشجار في بلاده، وفي طريق عودته مكث في القاهرة مرة أخرى واستمر في عطائه، ولكن لكل شيء نهاية فالكميات الضخمة من الذهب والتي جلبها معه انتهت بسبب الإفراط في العطاء لمدة أشهر عديدة، ما اضطره لبيع القصر الذي وهبه إياه السلطان المصري والاستدانة من التجار بفوائد كبيرة، وحين عاد من رحلته تنبّه تجار المشرق الإسلامي وفتحت أعينهم على مملكة مالي وأهميتها التجارية، الأمر الذي يؤكده بعض المؤرخين أن من أهداف رحلته هو فتح الصلة مع العالم الإسلامي والتي كانت شبه مقطوعة.

ملاحظة هامة في ختام مقالي، هذه المملكة الثرية بالمعادن النفيسة والتي بها الكثير من مناجم الذهب الغنية، وأبرز دليل على غناها هذه الرحلة التاريخية، تقع ضمن المناطق التي تحاول اليوم فرنسا أن تسيطر عليها بحجة محاربة الإرهاب الإسلامي.

Twitter:khalifa624

العلامات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق