المنتدى

الصمتُ لم يعد مُمكنًا

هذا زمانك يا مهازل فامْرحي.. قد عُدّ كلب الصيد من الفرسان

بقلم – بابكر عيسى أحمد:

سعدت كثيرًا بتخصيصِ دُور المُؤتمر الوطنيّ المحلول للجانِ المُقاومة بشرق دارفور، وتزدادُ سعادتي لو أنَّ هذا القرارَ طُبّق على مُستوى كلِّ ولايات السودان، وأن تكونَ تلك المقارُّ تابعةً بصورةٍ مُباشرةٍ للجانِ المقاومةِ في المدن والمناطقِ والأحياء، ويكبر عندي الأملُ أن يحول المقرّ الرئيسيُّ للمُؤتمر الوطنيّ المحلول في الخرطوم إلى دار «للمايقوما»، وأن يعاد تأهيلُه ليكون مأوى للقطاء وفاقدي النسب والمشرّدين، وأن تشرف عليه لجانُ المقاومة تحت مسمّى دار الأمل حتى يُعاد تأهيلُ هذه الفئات التي ظلّت مُهمشةً ومستغلةً طيلةَ الثلاثين عامًا الماضية، وأن يتعلّموا مهنًا توفّر لهم فرص عمل يستفيد منها المُجتمع، وتكون هذه الدار مأوى محترمًا للذين أساء لهم نظامُ الإنقاذ البائد.

هذا أولًا، وثانيًا آمل أن تعرض السيارات والمركبات التي تمّت السيطرةُ عليها من أركان النظام البائد في مزادات علنيّة على أن تُودع عوائدُها لدى وزارة الماليّة للاستفادة منها في مُواجهة مصاعب معاش الناس، وألا يتمّ شراءُ أي سيارات جديدة سواء للسياديّ أو لمجلس الوزراء والاكتفاء بالسيارات المُتوفرة وهي كثيرةٌ، فقد آن الأوان لتوظيف ما نهبه النظامُ البائدُ في تسهيل حياة النّاس سواء أكان ذلك في دعم أسطول الشّرطة أو دعم المُستشفيات باستخدام تلك السيارات كإسعافات تخفّف عن المرضى والمُحتاجين أو أن تُضاف إلى أسطول المُواصلات العامة، ومبلغ علمي أن عددَ هذه السيارات يكفي كل هذه الأغراض.

ومن الأهمية ثالثًا أن تواصل لجانُ تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال المنهوبة أعمالَها بنفس الحماس الذي بدأت به وألا تُقعدها أيُ ضغوط سرية أو معلنة عن هذا الدور النبيل الذي يتطلع إليه الشعبُ السودانيّ بأسره لفضح الذين نهبوا وسرقوا واستفادوا من المال العام بدون وجه حقّ، فالمالُ المنهوب يجب أن يعود لأهله وهذا ما ننتظره ونتوقّعُه من لجنة تفكيك النظام البائد وتقليم أظفار قططه السمان التي نهشت جسدَ الوطن وسرقت مقدراتِه.

قلت من قبل وأعيد التَكرار أنّ العدالةَ الناجزة هي التي تشفي جراح الضحايا المادية والنفسيّة وأن تأخّر القضايا التي صدرت بحقّها أحكامٌ يجب ألا تؤجل ولا تتباطأ وأن تُنفّذ العقوباتُ على الذين ارتكبوا جريمة اغتيال الأستاذ أحمد خير وشهداء مدينة الأبيض، وكل الفظاعات التي ارتكبتها كتائبُ الظلّ وفلولُ النظام البائد في كلّ مدن وقرى السودان البعيدة والقريبة، وهذا يستوجب تسريعَ عجلة العدالة، وأن تكون نافذةً وناجزةً.

أن يبقى القتلةُ ورموزُ النظام البائد وراء القضبان ليس كافيًا ولابدّ من إعمال الحق العام لإنصاف الضحايا والمفقودين وتكريس العدالة.

السكوتُ عن الظلم الذي حاق بأهلنا لا يقلّ عن الجريمة التي دُبرت وارتكبت بليلٍ وعانينا وما زلنا نُعاني منها في كل المرافق والمواقع، وقائمةُ المطلوبين للعدالة ما زالت طويلةً حتى الكثير من رموز النظام لم نسمع من لجنة تفكيك النظام واسترداد الأموال المنهوبة عن الجرائم التي ارتكبوها، رغم أن الشارع السوداني يعلم الكثيرَ عن هذه الجرائم التي مازال مسكوتًا عنها، وإن كانت اللجنة تتعرض لأي تهديدات أو ضغوط يجب أن تكشف عنها، لأنّ الصمت لم يعد ممكنًا، ويجب أن يعرف الشعبُ ما يجري في الغرف المظلمة وتحت الطاولة.

سمعتُ وقرأتُ الكثير عن جرائم رموز النظام البائد ولست الوحيد في ذلك، وعلى لجنة إزالة التمكين أن تقول لنا ما تعرف وأن تكاشفنا بالحقائق كاملةً، وألا تتستر على شيء أو أن تتنحى عن هذه المسؤولية التاريخيّة، ونحن نعلم بالضغوط التي تتعرّض لها هذه اللجنةُ من المكوّن العسكري، ورغم أن رئيسها هو أحد أعضاء اللجنة الأمنية التي مازال دورها ملتبسًا وغامضًا في الكثير من المناحي، وهو غموض لا يقبله أحد أو يقرّه.

الكثيرون يتآمرون على هذه المرحلة الانتقاليّة، ونعلم أنّها مرحلة هشّة ولكن هذا لا يعفي الثوارَ من صون ثورتهم وحمايتها من أي تغوّلات، وألا يسمحوا بأي انتكاسة والذين خرجوا لن يعودوا حتى تتحقّق شعاراتُ الثورة.

ليس هناك سودانان؛ أحدهما للعسكر والآخر للمدنيّين، ما نريده وما نطمع ونتطلع إليه أن يكون هناك سودانٌ واحد يستوعبنا جميعًا بعيدًا عن الهيمنة وتحت ظلّ حكم مدني يخرجنا من الدائرة الجَهنميّة بين انقلابات عسكرية وديمقراطية شائهة لا تدوم طويلًا، وهذا يدفعنا للتمسك بمدنيّتنا وأن نتصدّى لأي محاولات لإعادتنا إلى الوراء.

الذين يلعبون بمقدّرات الشعب السوداني كُثر من الجنرالات ومن قيادات الأحزاب التي تجاوزها الزمنُ، وعليهم أن يعترفوا بحقائق التاريخ ومُعطيات الواقع، فعقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، ووعي الشباب وجسارة الكنداكات وقدرة لجان المقاومة على التصدّي هي الضامنُ الوحيدُ لاستدامة هذه الثورة المجيدة.

العالم حولنا يشتعلُ في لبنان وفي سوريا وليبيا واليمن والمُحيط يحترق ولا أحد يدري على من سيأتي الدور، السودان لن يكون استثناءً من هذا الجحيم، فجميعنا مُستهدفون ولا ندري من أين يأتينا الخطرُ، ولكنه قابعٌ خلف حدودنا يترصّد بنا ويستهدف أمننا واستقرارَنا، فالوحدة والتضامن هما السبيل الوحيد لتفويت هذه الأدوار الشريرة، خاصةً أن هناك أقزامًا يتطاولون وهم واهمون يعتقدون أنهم قادرون على جلب البلاء وتبديل حقائق الواقع، وكما قال محمد أحمد المحجوب (هذا زمانك يا مهازل فامرحي … قد عُد كلب الصيّد من الفرسان).

العلامات

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق