المنتدى

تاريخ الفكاهة في مصر 15

قلبه مثل برامج السينما التي تتغيّر كل أسبوع وكل رواية تعرض على شاشة قلبه هي»تحفة الموسم»

بقلم – سامي كمال الدين:

صلاح حافظ أحدُ نجوم روز اليوسف والصّحافة العربيّة بعد ذلك، حين تعرّف إلى كامل الشناوي، وأُعجب بقصة قدّمها له، أمر الشناوي بنشرها على صفحة كاملة في جريدة « المسائيّة»، ودفع له الأجرَ من جيبه، وجعله يعتقد أنّها من خزينة الجريدة.. وكان سببُ موقف كامل منه أنّه آمن بموهبته، ولا يهمُّ بعد ذلك اختلافُهما الفكريّ أو الموقف السياسيّ المُتباين.

كان حالُ صلاح مع كامل الشناوي هو حالَ الشاعر اليساريّ جمال عبد الحليم الذي طالبَ بعضُ أعضاء مجلس الشيوخ بإعدامه بعد صدور ديوانه «إصرار».

اشترى الشناوي مئةَ نسخة من الديوان، وسجّل قصائدَه بصوته مع خلفيّة موسيقيّة ل «بيتهوفن»، وكان يُدير جهازَ التسجيل كلما دخل زوّارٌ جددٌ إلى مكتبه، فيستمعون إلى القصائد ويعجبون بها مُمتدحين؛ اعتقادًا بأنّها من تأليف كامل، فيخبرهم أنّها للشاعر كمال عبد الحليم شاعرٍ جديدٍ، ويعطيهم نسخًا من ديوانه، وظلّ يردد أشعارَه في سهراته، لكي ينتشر اسمُه ويشقّ له طريقًا من المجد.

هذا الفنانُ العظيمُ اتّهموه بالحصول على مصاريفَ سريةٍ قبل الثورة، وكان شريفَ اليد عفيفًا لم يمدّ يدَه إلى أحد، وكتب وقتذاك مقاله الشهير « حاسبوني.. وحاسبوهم «، ولم يصمت بل توجّه إلى مكتب وزير العدل، ولم يهدأ حتى أثبت براءَته، ولعلّ تعيينَه رئيسًا لتحرير صحيفة الثورة – الجمهورية – ومُوافقة جمال عبد الناصر على إجراء أوّل حديث صحفيّ معه خيرُ دليلٍ على هذه البراءة.. لقد كان همّه الشعب وهمّه كيف يعيش هذا الشعب ويحقق آمالَه وانتصاراتِه.. كان يبحث دومًا عن الحُرية، مؤمنًا بها إلى أقصى حدّ.

وعلى الرغم من حبّه لعبد الناصر وحبّه لثورة يوليو، رغم قوله في جمال عبد الناصر أثناء إعادة انتخابه رئيسًا للجمهورية

« أقسم لها..

يا ضوءها وظلها

أقسم بمصر أنها

قد أقسمت بك كلها».

إلا أنه لزم بيتًه وهو صاحب الليالي الساهرة حتى الصباح، ذلك لأنّ عبد الناصر روى في أحد الاجتماعات الخاصة برؤساء تحرير الصحف بعضًا مما وصل إلى سماعه عن تلك الجلسات وسخرية ونكات كامل الشناوي التي يتندّر فيها من أوضاع لا تروقه، والتي كانت تنتشر في الصباح بين أوساط الصّحفيين والأدباء والفنّانين أسرع من بعض الصحف السيارة.

كان لجمال عبد الناصر جهازُ مُخابرات قويٌّ يترأسه صلاح نصر لدرجة أنه كان يرصدُ النكات التي يطلقها كامل الشناوي وضيوفُه من روّاد كافيتريا الهيلتون.. وكان الشناوي هو مصدرَ النكات، بل كانت هناك عدةُ نكات تنسب إليه وأنها من تأليفه، وعرَف كامل أنّ عبد الناصر كان يبدأ برنامجَه اليوميّ بقراءة تقرير « النكت».. ولم تكن النكات تُروى كما هي أو كما قِيلت، ولكن كان يُضاف إليها مبالغاتٌ لم تحدث.

وجلس كامل في بيته، وهو الذي توسّط لأحمد رشدي صالح ليخرج من السجن بعد ثلاثة أيام من اعتقاله وساعد الكثيرين.. كامل الشناوي صاحب النشيد الإذاعيّ الشهير

« كنت في صمتك مرغم

كنت في حبّك مكره

فتكلم.. وتألم..

وتعلم كيف تكره»

شدت به أم كلثوم، التي غنّت من كلماته أيضًا

« أنا الشعب لا يعرف المُستحيلا

ولا أرتضي عن الخلود بديلًا»

وصل إلى جمال عبد الناصر احتجاب كامل الشناوي في بيته خوفًا من الاعتقال في الدولة البوليسيّة القمعيّة، فأرسل له من يبلغه تحياته ليفهم كامل من ذلك عدم وجود حظر على سهراته فعاد إليها مرةً أخرى».

أما عن الحبّ في حياة الساخر الكبير، فليكن مدخلنا إليه كلمات مصطفى أمين عنه: « برغم بدانته سريع التنقل، خصوصًا في حبّه وهواه»

قلبه مثل برامج السينما التي تتغير كل أسبوع، وكل رواية تعرض على شاشة قلبه هي « تحفة الموسم» وهي « آخر صيحة» وهي « أقوى ما عرض حتى الآن»، فإذا انتهى عرض الفيلم ارتدى نفس الثوب وتحلّى بنفس الأوسمة والنياشين!

وفي الفترة التي يحب فيها كامل الشناوي يصف المحبوبة بكل الأوصاف الحلوة والنعوت الجميلة. وهكذا نرى أن قلب كامل الشناوي مثل جمهوريّات أمريكا اللاتينية مملوءة بالانقلابات والثورات والتغيّرات والتبديلات!».

أحب فتاة كانت تسكن حي المعادي، ثم أحبّ ابنة أخت محمد التابعي، وتقدّم لخطبتها فأبرق أهلُها لمحمد التابعي يسألونه الرأي، أبرق لهم بالرفض وصدم كامل في صديقه الكاتب الشهير.. ولما عاداوجمعتهما عشّة التابعي في مصيف رأس البرّ ذات عام وأحسّ التابعي بأن كامل يريد أن يستفسر عن سرّ رفضه فقال له التابعي: أنت يا كامل تسهر طوال الليل ولا تعود إلا في الصباح.. وهي فتاة عمرها 18 عامًا فماذا ستفعل في وحدتها ومللها.. إنها تحتاج لبيتٍ وأسرة وحب وصداقة وحنان واقتنع كامل بكلام محمد التابعي».

أحبّ فتاة أخرى وأحبّته، فكّر في الزواج منها، سافر بضعة أيام، عاد ليجدها متزوجةً، اختزن آلامه حتى ظهرت في شعره « أنا لا أذكر كم يوم مضى منذ التقينا.. ربما من ساعتَين.. ربما من سنتَين، كل ما أذكره أنّا انتهينا.. وتولّاني الضياع حين أبصرت: الوداع!

لا تثرْ حولي ضجة، فلقد أصبحت زوجة».

أحبّ فاتنة السينما « كاميليا» وذاب فيها ولهًا وعشقًا، كتب فيها « تتعثّر الأنفاس في شفتَيك، سكرى من هنا، وتفوح كالأنسام».

بعد كاميليا أحبّ «نور الهدى»، لكن أعمق قصة حبّ في حياته كانت مع «روز أزوري».

إعلامي مصري

@samykamaleldeen

العلامات

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق