كتاب الراية

خواطر .. بيروت غابة أرجوان

لم يكن تدمير بيروت الجميلة الأول لكننا نتمنى أن يكون الأخير

بيروت غابةُ أرجوان.. بيروت ترفض أن تُهان

بالعزّ ترفل بالكرامةِ.. فَهي سيدةُ الزمان

حضنت بقايا المجد لم تخضع لغطرسة الجبان

وحنَت على الثوار والأحرار تهمس في حنان

ما همّها قصف المدافع فهي تهزأ بالدخانْ

بيروت خاصرة العروبةِ وهي ترفض أن تُهان

حين كتب والدي رحمه الله هذه الكلمات في الثمانينيات، سألته لماذا وصفتها بغابة أرجوان بينما هي خضراء؟! ولم أربط حينها الأرجوان بلون الدماء وشقائق النعمان، ولم أستوعب آنذاك أن لبنان لم يكن مجرد بيت في قصائد الشعراء، بل كان بيت القصيد!

لبنان كان مرفأ المتعبين الباحثين عن خلوة تأمّل في ملكوت الله، بلدٌ مُنعّم بخيرات تُذكرّ قاصديه بأوصاف الجنة ونعيمها ليستمروا في سعيهم إليها، طبيعته الخلابة تستدِرّ التسبيح بعظمة الخالق، كيف لا، والعصافير تُسبّح مُحلّقة في سمائه الزرقاء، وخرير الماء ينهمر باردًا من جباله.

في كل جبل كهف أو أكثر مدخله ستائر من مياه مسكوبة من الشقوق، كم هي مغرية للاعتكاف! كل مكان في لبنان يبعث في نفسك الراحة المرجوة، ومن حافة لا تعرف ارتفاعها ترى البحر طفلًا نائمًا في أحضان المدينة، ترقب الشمس بعد أن مسحت بنورها أرجاء البلاد ذاهبة للغياب فيما وراء البحر، يثيرك الفضول لزيارته، فتجده مشغولًا بغيرك مستمتعًا باللهو مع الأطفال وضحكاتهم كأنه والدهم، يحملك البحر بدلالٍ وأنت في حالة استرخاء تام لتناظر الجبل الذي دلّك عليه بالأمس، فتحتار بينهما ولا تميّز إن أنت عائم أم مُحلّق في الأجواء!

الحضارات التي مرّت عبر العصور تركت آثارها ولغاتها وملامحها في جينات الأدباء والفنانين من نحّاتين ورسّامين وحرفيين، تاركة مباني وأواني وروايات عن مئات السنين من الأفراح والحروب والشهداء.

لبنان منارة للأدباء وكنز من المكتبات، يجد المثقف فيه ما يزيده معرفة، ويجد الموسيقي فيه ناي فيروز، هو سيمفونية لمن يحسن الإنصات للقواقع ويعرف كيف يداعب الأوتار.

الترحال طبيعة بشرية فالعالم فيه متسع للجميع، ونحن دائمًا على وشك الترحال في أرض الله الواسعة، ولا نعرف موعد الرحيل والحساب! بيننا وبين الطمأنينة إيماننا بأن كل شأننا بين يدي الله، بيننا وبين الصبر مسافة الرضا بالأقدار التي نقضيها زحفًا أو جريًا بعيون تستشرف الأمل من السماء.

ولأن الحياة تكون أكثر أمانًا في المناخ المعتدل بكل ما تجلبه الفصول الأربعة من تقلبات جويّة تُنبت لنا ما لذّ وطاب على مدار العام، كان لبنان وجهة يسعى إليها الغرب قبل الشرق، وكذلك باقي بلاد الشام، بالرغم من خيرات بلادهم وغناها الذي لا يقلّ عما ينعم به الشرق الأوسط، فالطمع موجود وعلى كافة المستويات، وهو سبب رئيسي في كل الحروب والفِتن على الصعيد العقائدي والعرقي حتى عصرنا هذا.

من المُحزن ألا يحظى الشعب اللبناني بحياة رغيدة تتوازى مع ثروات بلده ومع ثقافته وتفاؤله وإقباله على الحياة، وعُذرًا لمن قال إن الثورة تولد من رحم الأحزان، كان عليه أن يُكمل بأن الثورة قد تولد من الغدر بالإنسانية والأوطان.

لم يكن تدمير بيروت الجميلة الأول لكننا نتمنى أن يكون الأخير، لقد أشعل في دواخلنا مآسي العرب وأعاد إلى أذهاننا ما مرّت به من حروب أهلية وتهجيرٍ واستعمارٍ ظنناه انتهى، لكنّ جمر الأطماع مستتر برماد الخيانة، فلولا الخيانة ما تمكّن الأعداء.

لطالما خشيت غدر البحر، لكنه بعد أن امتص قدْرًا كبيرًا من قوة انفجار مرفأ بيروت، رأفت بضعفه الذي لم يمكنّه من الدفاع عن مدينته أكثر، ولم يتسنّ لأمواجه أن تثور على النيران كما ثار الشعب الذي غرق في القهر قبل أن يغرق في الدماء والدمار.

ومن زاوية الأمل، لطالما تذمّر الجميع من تعثّر السفر هذا الصيف بسبب «كوفيد-19»، لكنني اليوم أجد في ذلك حكمة عجيبة، ففي هذا الوقت من العام تكون بيروت عامرة بعودة أهلها المُقيمين في الخارج، ولا يسعني إلا الدعاء للضحايا الأبرياء بجنة عرضها السماوات والأرض والسلامة والهداية والأمان للبنان وأهله الكرام.

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X