كتاب الراية

من نافذة التاريخ .. بين قدوم ومغادرة

لم يكن يفخر بأبنائه بقدر اعتزازه بنفسه حين استطاع بمهنته البسيطة أن يصل بهم لهذه المرتبة العلمية المتقدمة

بعيدًا عن نافذة التاريخ وعالم السياسة الملتهب، اتصل بي عامل يتميّز بالهدوء وقلة الحديث، صوته متقطع وبه ارتباك، قال باكيًا إن ابنه الكبير انتقل إلى رحمة الله، حرقة قلبه كبيرة حين وصلته الأخبار وهو في غربته، وبسبب جائحة كورونا لن يستطيع السفر ليواري جسد ابنه التراب، استرجعت الصور بحديثه عن أبنائه الأربعة، وسعادته المفرطة بتزويج أكبرهم والذي يبلغني اليوم نبأ وفاته، وحمله لصورة ابنه ذلك الشاب في يوم زواجه ليريها كل معارفه وهو سعيد، لقطات حضرت وأنا أسمعه، يشوشها صوت بكائه بحرقة قلب.

لحظات حزينة تجمعت، غربة وفراق فلذة كبده، هو لم يهاجر هجرة مؤقتة إلا لأجله ولإخوته، ولم يعش بعيدًا عن وطنه ذلك العمر المديد إلا لكي يجعل أسرته في ظروف حياتية أفضل، حاولت أن أعزيه بكل ما أملك من مفردات، وجدت أن صوتي لا صدى له عنده، أدركت أن الأفضل أن أتركه يجهش بالبكاء أكثر، بالتأكيد تلك الدموع الساقطة سوف تساهم في إطفاء لهيب قلبه، ألم يسمها رسول الله والذي لا ينطق عن الهوى ب «الرحمة».

ابنه المتوفى رزقه الله بطفل في لحظات حرجة من مرضه لم يستطع التأمل فيه بسبب فقدانه البصر في آخر أسبوع من عمره، كان المرض سريعًا قد فتك به خلال أيام، قصة هذا الشاب المتوفى ذي ال ٢٦ ربيعًا رحمه الله، وابنه الذي لم يتجاوز الأسبوع تذكرنا أن هناك حياة رغم وقار الموت، حياة متغيرة دينامكية ليست على حال واحدة.

الدنيا هي المطار الأكبر، نسمع بوضوح صوت المذيع ينعى مغادرة أحد الراحلين، ومبشرًا بقدوم وافد جديد، رحلة بين نقطتين بخط مستقيم، وبين ورقتين حكوميتين لن يستخرجها صاحباهما بنفسيهما وهي شهادة الميلاد وشهادة الوفاة.

في تلك الليلة وفي سكون ليل الدوحة أصبح ذهني كقاعة سينمائية كبيرة، حضرت دون استئذان بعض الأوجه التي مرت علي، هناك من علمت برحيله وهناك ما وصل لي متأخرًا والكثير تشعبت بهم الأيام ولا أعلم أي طريق سلكوا.

جاء في خيالي «أحمد» ذو اللحية البيضاء والذي عمل في قطر لأكثر من أربعين سنة بلا ملل ولا كلل، اشتعل الشعر بياضًا وهو يبحث عن الرزق لأسرته، تغرب عن وطنه وبعيدًا عن محبيه، حضر من وطنه شابًا وعاد إليه شيخًا كبيرًا، انتهت مهمته حين أصبح أبناؤه بين مصاف الرجال وربات البيوت، رغم تعليمه البسيط وما زلت أتذكر تلذذ أذني بسماع صوته وهو يتلو كتاب الله في لحظات فراغه بصوت شجي بين الهمس والجهر.

حضرت صورة «محمد»، ذلك الرجل ذو الطول الفارع والأدب الجم، يلتف حوله أطفال كنت أحدهم ليرفعهم ليمسكوا أنوار سقف المكان، الأطفال الغارقون في الضحك والسعادة مشهد لم يغادر ذاكرتي رغم السنين، بالأمس مشيت خلفه كان بالكاد يحرك قدمه وبحذر شديد، يحتاج لوقت كبير لقطع حيز مكاني بسيط، أوهنت السنون جسده نعم إن كل قوة ذاهبة إلى ضعف.

«يرغول» المندوب الحكومي رغم سنه الكبير إلا أنه يمارس عمله بتفانٍ، في فترات راحته يجلس في مكاتب الموظفين، ذو حديث جميل جذاب وذكريات كثيرة اكتسبها خلال فترة عمله الطويلة، حينما يتحدث عن أبنائه أشعر بكمية الفخر بحديثه عنهم، خاصة الطبيب والمهندس، أدركت بعد سنوات من حديثه عنهم أنه لا يفخر بهما بقدر ما يعتز بنفسه حين استطاع بمهنته البسيطة أن يصل بهم لهذه المرتبة العلمية المتقدمة، حينما اتصل بي ابنه ليخبرني بوفاته في قريته الصغيرة قرب «بيشاور» دعوت الله أن يرحمه وأنا على ثقة بأن رحمة الله سوف تسعه، وذلك ظني بأرحم الراحمين، فقد كان في مرتبة المجاهد لسنوات طويلة بسلاح العمر والجهد لتوفير الحياة الكريمة لأسرته، أوصلهم إلى طريق مُعَبَّد في هذه الحياة الشديدة الوعورة ثم غادر بهدوء.

الصور كثيرة ولست في مقعد الناصح ولكن لنعلم أن بيننا أناسًا تركوا أبناء يعشقونهم وديارًا يحبونها للبحث عن حياة كريمة لمن يحبون، شموع ستستمر بالاحتراق لسنوات طويلة لتنير الدرب لأحبابهم، قد يخطئون فرفقًا بهم، فلا تحرموهم من عطفكم والتمسوا الأجر ب «الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس».

اللهم لا تفجعنا بفراق أوطان نحبها وأحباب نحبهم.

Twitter:khalifa624

العلامات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق