fbpx
كتاب الراية

تاريخنا الهجري وهويتنا الضائعة

كل أمة من الأمم اتخذت لها تقويمًا من تاريخها مميزًا لهويتها ووطنيتها

الحمد لله على نعمة القرآن الذي فيه ذكرنا «لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون»، الأنبياء آية (10)،والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم أن نلقاه.. لقد أنزل القرآن بلسان العرب ففيه شرفهم وحديثهم على نبي عربي منهم فهل يعقل اليوم العرب إلى أين هم سائرون إذا تركوا هدى قرآنهم وسنة نبيهم وتاريخ أمتهم.

ونتساءل: ماذا قدمنا لأمتنا ونحن نزيد على المليار وسبعمائة ألف مسلم، نعيش في زمن التطور والتقدم العلمي والتقني الذي جعل العالم قرية صغيرة تتناقل أخباره وأحواله في لحظة نرى مآسينا وتسيل دماؤنا على أراضينا ولا نحرك ساكنًا بل نستقبل المحرم من السنة الهجرية «1442» ونحن في غمرة ساهون لم نتذكر في هذا الشهر بالذات أحداثًا عظيمة جليلة منها:

– فتح خيبر وما أدراك ما خيبر؟ عندما خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى خيبر سنة 7هجرية وكان قد وُعد بها عند انصرافه من الحديبية من ربه في قوله «وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم»- الفتح آية (20).

– وأرسل قائد الأمة ونبيها الرسائل إلى ملوك وزعماء الأرض يدعوهم فيها إلى الإسلام.

– وفيه وصول خالد بن الوليد إلى الشام وتوليه القيادة العامة لجيوش الشام سنة (13) ه.

– وفيه بدء معركة القادسية في العراق بقيادة سعد بن أبي وقاص ضد الفرس وانتصاره عليهم سنة (14)ه.

– وفيه مبايعة عثمان بن عفان «ذي النورين» بالخلافة سنة (24)ه.

– وفيه للأسف انسحاب المسلمين من قرطبة باتجاه غرناطة في جنوبي الأندلس بعد هزيمتهم في معركة العقاب من جيوش النصارى سنة (609) ه.

– وفيه واقعة المنصورة في مصر الأبيّة على الكفر وانتصارهم على الفرنجة سنة (648)ه.

– وهو الشهر الذي اعتُمد بداية للسنة الهجرية بإشارة من عثمان بن عفان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما» سنة 16هجرية.

فهل يراد لنا أن ننسى تاريخنا وكرامتنا وعزتنا من أجل أقوام لا دين لهم ولا ذمة يتربصون بنا الدوائر يستبيحون أرضنا وأعراضنا ودماءنا وأموالنا «وما تخفي صدورهم أكبر».

تاريخنا الهجري المتميز باعتماده على الأشهر القمرية، حيث تبدأ برؤية الهلال وتنتهي بانتهائه بعد أن قامت دولة الإسلام على أرض طيبة هاجر إليها نبينا الكريم بعد أن أراه الله في منامه دار الهجرة فأصبحت ملاذًا للمسلمين وميلادًا لأمة جديدة خالدة خلود الزمن ولا أمة بعدها لها دستورها القائم على القرآن والسنة كما بيّن عليه الصلاة والسلام ذلك في خطبة الوداع لأمته وتسليمها زمام الأمور من بعده فقال: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله»، «أيها الناس: إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم ألا فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم وتحجون بيت ربكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم»، فكيف نتعبَد الله ربنا ونحن لا نعرف تاريخنا ؟ إن كل أمة من الأمم اتخذت لها تقويمًا من تاريخها ترجع إليه حتى أصبح مختصًا بها وبمن تبعها ومميزًا لهويتها ووطنيتها قال تعالى :»ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا»، وكذلك أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، لها شرعتها الخاصة بها ومنهاجها الذي تسير عليه فكل عباداتها وعقيدتها ومعاملاتها وأخلاقياتها مرتبطة بهذا التاريخ الذي هو هويتها وعزها وقد انتبه الصحابة إلى هذا الأمر بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، وخليفته أبي بكر الصديق، فجمع عمر بن الخطاب أهل الشورى من الصحابة، رضى الله عنهم، للاتفاق على بداية السنة الهجرية لأمة الإسلام بأي حدث هام تؤقت وبأي شهر تبدأ ؟ لأنها من أهم الأحداث في تاريخ الأمة وبداية تأسيسها فأجمعوا على الهجرة وعلى أن يكون المحرم بداية السنة الهجرية.

والسؤال: لماذا نصر على إعادة تاريخنا الهجري واعتماده في كل شؤون حياتنا ؟

– لأننا أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء وأمتنا مسك ختام الأمم لها شريعتها ومنهاجها الذي تسير عليه في حياتها، وبالتالي تحررنا من التبعية للآخرين والعمل بتاريخهم، كما قال، صلى الله عليه وسلم، «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الأخيرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق، وقوله، صلى الله عليه وسلم «ولو كان أخي موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي»، يؤكد على هويتنا واستقلالنا بين الأمم وعلى عقيدة الولاء والبراء من جميع الملل والنحل في العالم والتمسك بشهادة «لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» الخالدة كخلود هذه الأمة فكيف ترضون أن تكونوا في ذيل الأمم وأنتم الأعلون ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين أعيدوا لنا العمل بتاريخنا واعتماده في حياتنا كلها كما كنا، والحمد لله رب العالمين.

أستاذ الشريعة والفقه المقارن وفقه الأسرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق