كتاب الراية

تحت المجهر.. ما بَعدَ.. بَعدَ كورونا

هذا السقوط يَعني عدم قُدرة الغرب على فَرض أنموذجه الحضاريّ تحت التهديد

كانت التأثيرات الكونية لجائحة كورونا ملحوظة، وبالأخص على المعسكر الغربي، مما دعا عددًا من المفكرين ومراكز الدراسات إلى التنبه لقصور هذا الغرب ودعوتهم إلى مراجعة عقيدته الرأسمالية الليبرالية الغربية من الداخل. لهذا بدأ الغرب عملية المراجعة الأولية هذه مبكرًا، فهو يملك القواعد الفكرية وأدواتها والمؤسسات والبُنى التي تحتضن العقول النقدية التي تتحرك في مدى مساحات شاسعة، من الحرية الفكرية.

وباستطاعته وضع خريطة طريق جديدة لِتَلمس أخطاء تجاربه السابقة، لمنظومته الرأسمالية الليبرالية التي أوصلته إلى هذه النتيجة المتوقعة.. التي أحدثت زلزالًا سياسيًا واقتصاديًا، سيدفعه حتمًا إلى تغيير أولوياته وإعادة ترتيب استراتيجياته التي تأثرت بفعل هذه الجائحة.

وليس غريبًا أن يَخرج أحد أبناء هذا المعسكر وهو المخضرم «هنري كيسنجر»، ليُقدم خريطة مَنهجية ثلاثية النقاط لأسس هذه المُراجعة: «أولًا: تطوير الأبحاث العلمية لتعزيز قدرة العالم على مواجهة الأمراض والأوبئة في المستقبل، ثانيًا: المسارعة إلى إعداد خطط وبرامج من شأنها معالجة الأضرار الاقتصادية التي سببها هذا الوباء، ثالثًا: حماية مبادئ النظام العالمي الليبرالي».

لكن السؤال المُلِح والحتمي الذي يَطلُ برأسه.. ما هو موقفنا، نَحنُ العرب.. مما يجري.؟ وهو سؤال مشروع، كوننا جزءًا من العولمة، التي سَيُعاد تشكيل عناصرها، وقيادتها.. فهل في استطاعتنا مواجهة حقائق اللحظة التاريخية، مع عِلمنا بأن مجتمعاتنا ودولنا لا تمتلك القُدرة على رَسم خياراتها الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمالية، بمعزل عن الغرب وتدخلاته؟.

فدوَلنا تتحرك منذ عقود – قبل الاستقلال وبعده – من موقع التابع والمُتأثِر.. وتحتاج إلى أكثر من أزمة كهذه، حتى تستيقظ من سُباتها، وتذهب نحو تَشكيل خَيار مُستقل، بعيدًا عن الارتباط العُضوي بسياسات الغرب الذي وضُحَ أنه يُعاني أزمة أخلاق وزيف حضارة أزاحت عنه قناعه المُزَيف، وأسقطت عقيدته الفكرية التي تَوحشَت في العقود الأخيرة، فانتهت إلى ما انتهت إليه اليوم.

هذا السقوط يَعني عدم قُدرة الغرب على فَرض أنموذجه الحضاري تحت التهديد والجَبر.. مما يُهيئ الأرضية لدولنا للبحث عن ذواتنا المفقودة والكَف عن استيراد الحلول الجاهزة من الخارج.. وإطلاق الفكر السياسي الحُرْ.. وترسيخ «ثقافة المؤسسة»، فهي الأقدر على رعاية مَصالح الناس.

لقد وَضح جَليًا، في خضم هذه الأزمة، قصور دُولنا بمؤسساتها التعليمية والبحثية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والصحية وقبلها القيمون عليها، في مواجهة كارثة بهذا الحجم. بما لها من تأثيرات عَرّت جسد الدول، وكَشفت عن كثير من مواطن القصور والخلل في أداء مؤسساتها التي لم تُبن على قاعدة مُجتمعية سليمة، تُمَكنها من تفاعلها الصحيح والقويم لتُصبح المسؤولية مُشتركة بين الدولة والمجتمع.

ففي غِياب مؤسسات مُجتمعية مَدنية مُنظمة تَكون رديفًا للدولة.. تُصبح الدولة وحدها في المواجهة، تتحمل عِبء الدفاع عن الأرواح والممتلكات. هذه المواجهة المنفَرِدة ليست في صالح الدولة.. لِضعف مُقومات بقائها.. وَصمودها أمام أزمات بهذه القوة والتأثير، والتي باستطاعتها استنزاف موارد الدولة ومدخراتها المالية.. وطاقتها البشرية التي يُشكل الوافد قاعدتها العَددية. لكنها عَدَدية تَعيش خارج معادلة المشاركة الفعلية في تَحمل مسؤولياتها.. بِحكم وجودها الطارئ في «المجتمع» الأكبر.

وتتعاظم المشكلة مع تقهقر وبقاء القطاع الخاص في عليائه، مُحتفظًا بثرواته التي تراكمت بارتباطه مع الدولة، وكان حاضرًا في أوقات الوفرة.. وغاب عند مَرض المجتمع وَتَعرض الدولة لِصدمة المواجهة، مما يطرح تساؤلًا جِديًا عن حقيقة مُشاركته الفعلية في عَملية التنمية والنهوض والإنتاج في المجتمع…

وماذا عن الوعي المُجتمعي؟..

هذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في المقال القادم.

[email protected]

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق