كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. بين «شباتي» لندن ومطعم الزرقاء

كان الكرك بلا مبالغة عبارة عن سكر مع قليل من الحليب.. أما الخبز فقد كان باهتًا لا طعم ولا لذة

قابلت صديقًا لي صدفة في قارعة طريق في لندن، دعاني لتناول (الشباتي) و(الكرك) في أحد مقاهي لندن الشهيرة، حقيقة لم يكن لدي شغف بتناول الشباتي فلم أكن قديم عهد عنه، أما الكرك فإني ولله الحمد بيني وبينه نفرة كبيرة جدًا ولا تلاقي بيننا.

ال (شباتي) حسب وصف صاحبي أنك لن تذوق مثله، عمومًا أنا أعرف هذا النوع من الخبز منذ زمن (أبو بكر رحمه الله) صاحب المتجر الذي يقابل مدرسة طارق بن زياد الابتدائية، وجلّ زبائنه من الطلبة، أتذكر أن صحن الطعام يزيد سعره قليلًا إن طلبت معه شباتي، عمومًا ونحن نتحدّث، حضر جرسون يبدو عليه التهذيب الجم، يرتدي قميصًا أبيض ناصع البياض وبنطلونًا داكنًا، وهو منحنٍ قليلًا وبلهجة إنجليزية شكسبيرية عريقة سألنا عن طلبنا، يستمع بإنصات ويمسك القلم ليدوّن ما نطلب، وأنا أشاهد صورة الشباتي في المنيو كنت أقول في نفسي: كأني شايفه وين وين وين؟، تصدى صاحبي والذي تخلى عن ديمقراطيته كالعادة ليقول للجرسون عن طلبنا، «اثنان كرك وأربعة شباتي»، سألت صاحبي أن يعفيني من الكرك، «وبردة فعل حازمه لييييه اشرب صدقني عجيب»، في القانون كنا ندرس اتحاد الذمة المالية، أول مرة أعرف اتحاد الذمة الذوقية، ثم التفت إلى الجرسون مؤكدًا الطلب مرة أخرى، قلت له في محاولة أخيرة للتملص من لقاء الكرك إنني مشتاق للقهوة العربية أرجو أن تجعلها طلبي، أبشر، هذا ما قاله وشعرت بالراحة، وإذ به يلتفت للجرسون ويقول له: بالإضافة للخبز «اثنان كرك وقهوة عربية»، استسلمت لواقعي، يبدو أنه زواج بالإكراه بيني وبين الكرك وقد قبلت على مضض، عمومًا حضر طلبنا كان الكرك بلا مبالغة عبارة عن سكر مع قليل من الحليب، أما الخبز فقد كان باهتًا لا طعم ولا لذة، يبدو أنه أخرج من الثلاجة وأعيد تسخينه عدة مرات تذكرت به الشاعر النبطي القديم:

الزول زوله والحلايا حلاياه

والفعل ما هو فعل وافي الخصايل

صاحبي أصبح مثل مراقب امتحان صارم لدى طالب يهم بالغش، كل فترة ينظر لكوبي بحدة ليقول جملة واحدة (اشفيك ما تشرب) بعد جهد جهيد شربت كمية لا بأس مما يسمّى بالكرك، وش رأيك؟ هذا ما سألني عنه جليسي، هناك لحظات يجب أن تتميّز بالذكاء الاجتماعي في أمور لا تكلفك كثيرًا إحداها هذه اللحظة، جليسي أعرفه ينتظر رأيًا واحدًا وأدركت ذلك بشكل واضح، قلت: ايش هذا صراحة عجييييب ما ذقت مثله، ابتسامة الانتصار علت محياه ليقول: سبحان الله كل واحد أجيبه يقول هذا الشيء.

أردف قائلًا يا أخي الإنجليز إذا سووا الشي يضبطونه، يبدو أنه مُصر على أن تستمر مجاملتي، قلت له فعلًا هم يتقنون الأمر حتى وإن لم تكن صنعتهم، لأنهم ببساطة دقيقون جدًا في أعمالهم.

في الركن البعيد هناك كان يجلس عدة نساء يظهر عليهن أنهن من ثلاثة أجيال، حين أحضر لهن الطلب توقعي لو كان (الشباتي) إنسان لشعر بشعور شوماخر المتسابق الأسطوري وهو يستسلم لأول مرة لعدسات المصوّرين بعد فوزه الأسطوري الأول، انشغل الجميع بالتصوير والإرسال عبر هواتفهم، في هذا الزمن بعض الأطعمة تتمنى أن يرسل معها ميكروويف صغير ليتم تسخين الطعام بعد جولة طويلة جدًا من التصوير.

حين تم طلب الحساب حضرت الفاتورة من المطعم اللندني وهي مغلفة بعلبة راقية، ليضع صاحبي بطاقته المصرفية ليدفع الثمن، مع عملة نقدية إكرامية لذلك الجرسون المهذب جدًا، في هذا البرستيج الصارم جاء في ذهني (مطعم الزرقاء)، حيث وأنت خارج تحاسب عند من يجلس قرب الباب وهو المدير تقريبًا، والغريب دائمًا ما تجد أن السعر بكسور، ويتم تعويضك بنوع من العلك الموجود، وأنت تدفع دائمًا ما ينشغل عنك ويتحدث بالأوردو بقوة لتوجيه الجراسنة، ويضع بعض الكعك في علب زجاجية أمامه، والأهم أن التعامل كاش، وأنه لا يوجد لديك مبلغ الثقة موجودة وكلمة (مافي مشكل بعدين) هي التي تسمعها حتى لو كان أول تعامل لك معهم، عمومًا دعيت لأصحاب ذلك المطعم بالرزق والذي يقع في أم غويلينة بسبب سعرهم الرخيص جدًا مقارنة بالمطعم اللندني الذي يقع بجانب قصر الملكة اليزابيث.

 

Twitter:khalifa624

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق