fbpx
المنتدى

يوسف والي.. وأصول الحكم «2»

لم يكن يوسف والي فاسدًا.. فقد تنازل عن راتبه ولم يحصل على ميزة من الوزارة لكنه كان مفسدًا بامتياز

بقلم/ سليم عزوز:

كان قطاع الزراعة، هو قسمة مبارك فيما يملك، فقسمته فيما لا يملك هي في مجالات أخرى مثل الاستثمار والثقافة، ولهذا وجد مسار التطبيع مع إسرائيل في وزارة الزراعة مجالًا خصبًا، وقام يوسف والي بصفته الوزير بالواجب وأخلص للمهمة، وربما من هنا استمد نفوذه لدى الرئيس مبارك!.

بيد أنه عمل في المقابل على تمرير هذا التطبيع المنهي عنه وطنيًا، بشراء الأقلام وقلة الكلام، فصنع لنفسه هالة، جعلت هناك من يمررون دعايتهم بأنه صوام قوام، لا يتقاضى راتبه، ويسير بدون حراسة، وكيف أن الجماعات الإسلامية استهدفته فلما وجدته يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، تراجعت عن ذلك، ليستوقفه المكلف بمهمة اغتياله، وقد أصبح صيدًا سهلًا، لكنه يطلب منه أن يسامحه بعد أن تبدت له كراماته!

وكان إقدام الوزارة على التطبيع مما يتم القفز عليه، فهذه سياسة السلطة وأوامر الرئيس وهو جهة تنفيذ لا يمكنه أن يرفض أو يمتنع، ولهذا فعندما واجهه الزميل صلاح بديوي محرر شؤون الزراعة بجريدة «الشعب» بما في حوزته من مستندات عما سمي بالمبيدات المسرطنة، فقد أرجع الأمر إلى الرئيس، وربما لم يصدق الزميل، ولعله وجد في ذلك فرصة للتخلص من الوزير، فأذاع هذا الكلام ونشره، لكن اعتبر يوسف والي نفسه ذلك مبررًا للجوء للقضاء!

لم تكن هذه المرة الأولى التي نشرت فيها جريدة «الشعب» هذه الموضوع مدعمًا بالمستندات، لكن الجديد في النشر الثاني، هو حدة المعالجة، حيث دخل عادل حسين الأمين العام لحزب العمل ومجدي أحمد حسين رئيس تحرير جريدة «الشعب» على الخط، وتم توجيه الاتهام له بالخيانة، وعندما لجأ للقضاء كان مقال عادل حسين الذي تمدد على أعلى الصفحة الأولى بطولها: «يا يوسف يا ولي أنت خائن وعميل.. ومرحبًا بالسجن»، لكن الحكم القضائي الذي سجن خمسة زملاء من بينهم رسام كاريكاتير، ورئيس تحرير «الشعب»، فضلًا عن قائد الحملة «بديوي»، استثنى عادل حسين، فكانت العقوبة هي الغرامة عشرين ألف جنيه!.

كان القضاء جاهزًا لإدانة الحملة والزملاء، لكن حدث وبعد تنفيذ الحكم، أن صدر تقرير نيابة النقض، بأن حكم محكمة الجنايات تجاوز صحيح القانون، لأنه أعرض عن طلب جوهري للدفاع باستدعاء يوسف والي لسؤاله أمام المحكمة، وقيل وقتها إن كاتب التقرير وهو المستشار مقبل شاكر، كان غاضبًا من السلطة، التي قامت بالمد لرئيس محكمة النقض، فحجبت دوره في الترقية لهذا المنصب المهم، وقد شغله على أي حال بعد ذلك. ولهذا كان تقريره لصالح الزملاء!

كان التصور العام، أن يوسف والي سيجد حرجًا في الذهاب للمحكمة ومواجهة هيئة الدفاع ومن بينها محامون مخضرمون عندما يحاصرونه بالأسئلة، لكنه حضر في حماية هيئة المحكمة، التي فرغت سبب القضاء بإعادة المحكمة من مضمونه، فجميع الأسئلة الجوهرية في القضية، قال القاضي رئيس الدائرة إن المحكمة تعترض على توجيهها له، ليصبح حضوره فاقدًا للهدف منه، وليصدر الحكم بسجن الزملاء أيضًا!

لقد أثير بعد ذلك أن المبيدات جميعها تسبب السرطان عند الإسراف في استخدامها، وتم الدفاع عن الوزير في حملة صحفية، لم تهتم بالموضوع أصلًا وإنما اعتمدت على الردح الصحفي وكتب كرم جبر رئيس المجلس الأعلى للإعلام الآن ساخرًا من الزملاء بجريدة «الشعب» فإذا كانت هذه المبيدات تسبب السرطان؟ فلماذا لم يصابوا هم به؟!

لكن بدا الرد العلمي بعد ذلك بسنوات عبر ما كتبه مكرم محمد أحمد بعرض آراء علمية تخالف المنشور، ومع هذا فلم يهتم الوزير بتفنيد هذه الادعاءات أو الرد على ما ينشر، ولعل المرة الوحيدة التي تلقيت فيها ردًا منه كانت بعد الثورة، عندما نشر أحد الزملاء تقريرًا عن المبيدات المسرطنة، فهل كانت مسرطنة فعلًا؟!

يدهشني في الحقيقة أن هناك من انطلقوا يجتهدون في نفي التهمة عن الوزير بعد وفاته لكي يشتهروا بين الناس بالموضوعية، فقبل الثورة، وبعد أزمة جريدة «الشعب» أثيرت القضية ضمن الاتهامات التي وجهت لرجل الوزير القوي يوسف عبدالرحمن بأنه المسؤول عن استيراد المبيدات المسرطنة، واللافت هنا أنه صدر تقرير من جهاز رسمي هو «المركزي للمحاسبات» الذي يؤكد على استيراد وزارة الزراعة للمبيدات المسرطنة!.

واللافت أن الوزير لم ينف هذا، فقد ذهب للمحكمة شاهدًا لصالح «عبد الرحمن»، وقال إنه رفع أمر هذه المبيدات إلى رئيس الوزراء قبل استيرادها، والذي أخبره بدوره بأنه سيرفعها للرئيس لعرض الأمر عليه، فلما أخبره رئيس الوزراء بأنه لا مانع أدرك بأن هذا لم يكن إلا بعد سماح الرئيس نفسه بذلك!.

ورغم أن في هذا ما يحرج الرئيس، إلا أنه بدا واضحًا أن يوسف والي يدري ما يفعل، وأن مبارك لا يجد في ذلك ما يسيء إليه أو يتسبب في إحراجه، فيوسف والي كانت لديه مكانة كبيرة لديه، فهو رجل لا يميل للتغيير، ثم إنه لا يحب التجريب، فقد جربه في ملف التطبيع فأخلص له إخلاصًا عظيمًا، وقد يأتي من بعده من قد ينجح أو يفشل!.

لقد سقطت صورة الوزير الزاهد مع حملة «الشعب»، حيث بدا مستعدًا لشراء الأقلام لكي تنحاز له، وكان هذا هو الباب الذي دخل منه «توفيق عكاشة» المذيع بالتلفزيون المصري، فقد أسس جمعية «الإعلاميين الشبان وأسرهم وغيرهم».. هكذا اسمها، وحصل من يوسف والي باسم الجمعية على قرابة الخمسة آلاف فدان، لم يوزعها فقط على «الإعلاميين الشبان»، أو «أسرهم» وإنما كان ل «وغيرهم» نصيب الأسد، من بعض كبار المسؤولين. وهو يعرض الفكرة على يوسف والي، قال له إن الأعضاء سيتولون مواجهة حملة «الشعب»، ولم يجد مانعًا من أن يضم صحفيين في السر من هذه الجريدة، وهي أراضٍ في منطقة الحزام الأخضر بمدينة السادس من أكتوبر ومنذ البداية أخبرهم والي بأنه سيصدر قرارًا بتحويلها من أراضٍ زراعية إلى أراضٍ للبناء!.

لم يكن يوسف والي فاسدًا، فقد تنازل عن راتبه ولم يحصل على ميزة من الوزارة لكنه كان مفسدًا بامتياز.

يتبع

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق