كتاب الراية

تحت المجهر.. الوعي المجتمعي.. في المواجهة

الحاجة إلى المراجعة باتت ضرورية للمجتمع، ليستمر في مسيرته سليمًا مُعافى

لقد كشفت جائحة «كوفيد-١٩»، عن غياب الوعي، لدى نسبة لا يُستهانُ بها من المواطنين، ونسبة كبرى من الوافدين، في تحمل المسؤولية التي غابت عن هذه المجموعة. لتحكم روح اللامبالاة، وهيمنة الثقافة الفردية.

هذه الشريحة، لم تضع في حساباتها، وللأسف، النتائج السلبية لتصرفاتها على المجتمع، وسلامته للخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر، فتصرفت وفق قناعاتها الخاصة في تجاوز للقانون والاستهتار به وعدم الاكتراث بالعقوبات التي بالرغم من شدتها إلا أن ذلك لم يمنعهم من خرقها.

لذا، ومن واقع المسؤولية المُشتركة، على المجتمع والدولة معًا، التنبه من أنه عندما يُصبح الفرد خارج المعادلة الاجتماعية والسياسية، في اتخاد القرار وتحمل مسؤوليته، فهو عندها سيبحث عن مصلحته الذاتية المُرتبطة ب «الأنا»، ولن يُلقي اهتمامًا لمصلحة المجموع، ولن يُصغي لإملاءات الدولة، التي يرى فيها فوقية، لأنها حرمته من أن يكون جزءًا عُضويًا، مساهمًا في صُنع القرار الذي يَمس وجوده وكينونته.

الآن والعالم في طريقه للتغيّر الحَتمي، بعد هذه التجربة، نتساءل عن موقع مجتمعاتنا ودولنا من هذا التغير.؟ هذا التغير الذي سيكون وفق حسابات القوى التي تمتلك المبادرة، والتي ترتكز على قواعد فكرية ومادية صلدة، تعطيها ديناميكية الحركة، لإعادة التوازن إلى المجتمع والدولة.

يقول عدد من المراقبين المتفائلين من هنا وهناك، إن تأثيرات هذه الجائحة ستنحسر، وسيعود الوضع إلى سابق عهده. فالجميع، كما يُقال، سيعود إلى المُربع الأول، بعد أن كانوا ينتظرون الفَرَج من السماء بإزالة هذه الغُمة عن هذه الأمة، ويترقبون الدواء والعلاج أن يأتيهم من خارج هذه الأمة.

لكن، هل هذا فعلًا هو الرجوع المطلوب، الذي يَفرضه واقعنا المكشوف منذ عُقود؟.. وأتى هذا «الفيروس» ليزيل أوهامنا بأننا نبني دولًا عصرية ذات مؤسسات قوية تملك مقومات وجودها وبقائها.

وهل فعلًا، يمكن لدولنا أن تبقى قوية بمعزل عن وجود «مُجتمع مَدَني»، يكون قاعدتها ورصيدها وخزّان قيمها الروحي والفكري، ومنه تخرج المعايير الأخلاقية والضوابط الاجتماعية، ويتعزز دور الفرد وتزداد إنتاجيته، وتتجلى مسؤوليته، كعنصر صالح، مُنتج، مُساهم في بناء دولته، يُحاسب نفسه قبل أن يُحاسب.

إن الرجوع المُبتغى، والمنطقي، هو الرجوع، الذي يكون في صالح الدولة، كما المجتمع، وهو الرجوع الذي يستفيد منه الجميع، في فهم عُمق هذه التجربة، ونقاطها السلبية، ودلالاتها الإيجابية، ويعيد حساباته، ويحرك أولوياته في اتجاهاتها الصحيحة، ويُغير خياراته لفائدة المجتمع، بأفراده ومجموعاته الصغيرة، وفائدة الدولة الحاضنة بمؤسساتها، لبقائها واستمرار أدائها بكفاءة قصوى، حتى لا تصل، ونصل معها إلى نقطة الانكسار والانهيار.

الرجوع المطلوب، إذن، هو رجوع المُكاشفة والمُحاسبة، من المجتمع للدولة والعكس، رجوع يكون الاعتراف بالتقصير فضيلة لا عيب فيه ولا تخوف منه، رجوع يضع اليد فوق الجُرح، لا بهدف زيادة آلامه، لكن أملًا في خروج سمومه وقروحه، ليتنفس هواءً نقيًا، يُبرئه ويُعطي الجسد المُجتمعي الحصانة والمصل الجمعي، الكلي، الذي يحتاجه لمحاربة ربيبات الفيروس الأصلي التي استوطنت العقول فأعطبتها، والنفوس فشيطنتها.

فالحاجة إلى المراجعة باتت ضرورية للمجتمع، ليستمر في مسيرته سليمًا مُعافى من آثام وأمراض العصبية والنظرة الدونية للآخرين، ومن التشاؤم، والمواقف السلبيّة، والروح الانعزالية، والتمركز حول الذات، ومن الاتكالية، والإفراط في الاستهلاك، والتواكل ومن انتظار الفرج دون العمل، ومن غياب الوعي وعدم تلمس الطريق، ومن خطأ التشخيص، وتأخر العلاج، ومن غياب الشفافية والإفراط في الثقة، ومن نشر ثقافة المحاباة والمجاملات والتطبيل، واستغلال المواقف، ومن غياب التضحية، وانعدام الإيثار، ومن الاستهزاء برأي الآخر، ومعتقداته، ورؤاه السياسية، واصطفافاته، وزواياه، ومنطلقاته الفكرية.

فَنَحنُ على سَفينةٍ واحدة، تحملها أشرُعٌ متنوعة، ولكلٍ منا موقعٌ ومُتكأ، وهي تسيرُ بنا في بحرٍ لُجي، تتقاذفُها الأزمات، متى الأقدار لها شاءت، ومسؤولية من عليها حفظ هذه السفينة من أي عَطبٍ يطرأُ في بنيتها، وهيكلها، والحفاظُ على توازنها لتجنب غرقها، وهلاك من عليها…

فهل نحنُ فاعلون؟..

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق