كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. الأيام عبرة ،،

صلى عليه ثلة لا يتجاوزون العشرة لا يعلمون من الملك العظيم المُسجى أمامهم

من قصص القرآن قصة قارون حين شاهد قومه زينته انبهروا بحاله وقالوا «إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» وحين خسف به الأرض قالوا «لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا»، القول الثاني هو الصحيح لأن القصة اكتملت أمام أعين الناس.

هناك صور كثيرة من التاريخ تبين لنا قسوة تبدل الحال ونعرض بعضها.

اقتحم المغول بغداد في أعظم تدمير للإرث الإنساني، دخلوا أكبر قاعة في قصر الحُكم، وتصدّر قائدهم هولاكو المكان وأمر بجلب الخليفة (المُستعصم)، الخليفة بدا مُنهك القوى ومذهولًا ويرتعد من هول ما يحدث، طلب منه هولاكو بغرض إهانته أن يقوم بخدمتهم وقال: نحن الضيوف وأنت المضيف، مصير الخليفة هو الإهانة والقتل، أما أسرته، زوجاته وبناته ونساء الأسرة من اعتادوا على الرفاهية والعز، وحسب قانون الحرب آنذاك فقد أمر هولاكو بإرسالهم إلى عاصمته في منغوليا، ليتفرّقوا في قصور المغول ويعيشوا بقية أعمارهم عبيدًا وخدمًا، وتبدّل بهم الحال في لحظة من قمة الرفاهية إلى قاع الهوان.

(يحيى بن خالد البرمكي) وزير ومُعلم الخليفة هارون الرشيد، له الفضل بعد الله في إيصال الرشيد إلى منصب الخلافة، حيث وقف معه بقوة في محاولة إبعاد الرشيد من منصب ولاية العهد زمن أخيه الخليفة الهادي، عاش يحيى وأبناؤه حياة رفاهية يتحكّمون في كل مفاصل الدولة، يلجأ لهم طلبًا لحاجاتهم رجال الدولة وأقارب الخليفة.

هذا الوزير أصبح مضرب مثل في زمانه في الرفاهية والعيش الرغد الكريم، كانت قصوره في كل مكان، يُقال إن بعض قصوره بنيت ولم يرها، دلالة على عظم ثرائه، انتهى به الأمر بأن غضب عليه الخليفة الرشيد وأودعه سجن (الرقة) وهو شيخ كبير قد بلغ من العمر عتيًا.

الرجل المسجون الذي كان يخدمه المئات من الرجال والنساء من كل التخصّصات في قصوره، وله موائد يومية يُعدها أمهر الطبّاخين فيها من كل أشكال وأصناف الطعام، توضع للقاصي والداني في كرم مُفرط يشهد له الجميع، يقول الإتليدي في كتاب نوادر الخلفاء، إنه اشتهى يومًا في سجنه لحمًا مع مرق، فدفع للحرس ألف دينار وهو مبلغ كبير جدًا، وتم إدخال اللحم المُقطّع مع قدر ليطبخ به، رغم عدم إجادته الطبخ إلا أنه أشعل نارًا تحت القدر وأخذ ينفخ فيها حتى قال حسب وصفه في تلك اللحظات: كانت روحي تخرج.

وحين جهز الطعام حمل القدر وبسبب شيخوخته وضعفه وقع منه القدر وانكسر، فأخذ يلتقط اللحم من الأرض ويمسح منه التراب ويأكله، أما المرق الذي يشتهيه فقد ذهب في الأرض دون أن يذق منه شيئًا.

ولعلنا نسترجع أشهر أقواله حينما كان وزيرًا:

«الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة»

مات في سجنه، أصبح كل ما حدث له كما قال: «عبرة لمن بعده».

المُعتمد بن عباد من ملوك الأندلس، إذا مشى تهتز الأرض من عظم الحشد المُرافق، يترأس أعظم الممالك وأغناها، اشتهت ابنته يومًا أن تلعب بالطين وهي حافية أسوة بأبناء العامة، فخصّص قاعة كبيرة في قصره وجعل أرضها عجينًا من المسك والكافور حتى تبدو كالطين، تحقق رجاء ابنته بكلفة باهظة ولعبت في ذلك اليوم وهي تظن أنها تمشي على الطين، انتهى ملكه وزالت دولته وتم اقتياده أسيرًا في سجن اغمات في المغرب، وخلال سجنه زارته أسرته وشاهد الكسرة في عيونهم والفقر البادي عليهم من ملابسهم، زاد من حزنه أن أسرته تتكسّب بالخياطة وأن من ضمن من يخيطون له قائد الجُند في دولته التي زالت، حينما مات تم إرسال جثمانه إلى المسجد القريب، قام الإمام بتغسيله وتكفينه وبسبب أن الوقت ليس وقت صلاة صعد إلى المنبر وقال صائحًا: التمسوا الأجر بالصلاة على «الغريب»، صلى عليه ثلة لا يتجاوزون العشرة لا يعلمون من الملك العظيم المُسجى أمامهم، ولو مات في زمنه لاكتظت الطرقات وتزاحم الناس للصلاة على ذلك الملك العظيم، وهو شاعر مفوّه قال قصيدة نأخذ منها هذا البيت والذي يعني الكثير:

من بات بعدَكَ في ملكٍ يُسَرُّ به … فإنّما بات بالأحلام مغرورًا.

ختامًا الحقيقة الجلية أن كل حياتنا القصيرة بتقلباتها تبدو كاضغاث أحلام.

Twitter:khalifa624

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق