fbpx
كتاب الراية

الباب المفتوح…الديمقراطية الزرقاء

دورة الحياة السياسية هي الفلك الذي تولد وتموت فيه دورة حياة الاقتصاد

كان المكسيكيون القدامى يعتقدون بل ويؤمنون أنه لا بد من تقديم الأضاحي البشرية كل يوم للآلهة حتى يضمنوا شروق الشمس في اليوم الذي يليه ، وكانت الأضاحي البشرية تجمع وتعامل لفترة من الزمن كآلهة ثم يصبغون باللون الأزرق ليصبحوا من أهل السماء قبل أن يضحّى بهم ويقتلوا ببساطة وذلك بانتزاع قلوبهم من أجسادهم وهم أحياء، تقربًا إلى الآلهة.

حقيقة دون الدخول في فقه الفشل الثقافي لتلك الحقبة وهي في عام ١٥٢١ميلادي أو الدوافع السياسية والاجتماعية التي خلقت ذلك الفكر السقيم، وكيف استطاعت النخبة السياسية إقناع الشعب بضرورة قتلهم للمصلحة العامة؟، وكيف كرس ذلك لسلطة القيادة السياسية تحت ذريعة التضحية لأجل الوطن وقمع الناس وقتلهم باسم الوطن والاعتقاد؟، وليس للوطن صلة بالموضوع ولا للعقيدة كذلك، إنما هي حيل ومؤامرات للاستمرار وتعزيز السلطة.

وطبعًا يأتي شاهد القصة عندما تختار القيادات الحكم بالقمع بعيدًا عن الولاء، فإنها تختار في نفس الوقت النفوذ الاقتصادي كمكمل أساسي للعملية، وذلك بإفقار الناس وإذلالهم وإثراء السلطة الحاكمة والسلطة التنفيذية، كذلك فإنني أرى وراء القصد بعدًا اقتصاديًّا آخر واضحًا، إذ إن وجود هذه الخرافات لدى تلك الشعوب هو الذي عزز السلطة السياسية والدينية لدى الطبقة الحاكمة وأعطتهم الحق في اتخاذ القرارات وقمع العامة من الناس وبالتالي الاستفراد بالثروة والسلطة في آن معًا وهذه خلطة الدكتاتورية المطلقة.

أما الشاهد الثاني فله علاقة بالدورة الطبيعية لحياة الاقتصاد وذلك بتشبيهها بمرحلة النمو والزهو ومن ثم القيام بطلائها باللون الأزرق لتكون بعدها النهاية، وذلك ما حدث في أعوام ١٩٢٨ و١٩٩٨ و٢٠٠٨ ميلادي على التوالي حيث ما يلبث يصل الاقتصاد العالمي إلى تحسن ملحوظ حتى يصبح أزرق ويسقط، وصولا إلى أزمة النفط عام ٢٠١٥.

واليوم وفي عام ٢٠٢٠ نقف في حالة اقتصاد عالمي مطلي باللون الأزرق استعدادًا لانتزاع قلبه، ما لم تكن هنالك حلول جذرية للمشاكل السياسية الاقتصادية العالمية لاسيما تلك التي بين الصين والولايات المتحدة، وللوقوف على هذا المعنى فإن ما يحدث في المؤسسات الاقتصادية الكبيرة أو مسؤولي الاقتصاد العالمي لحل الأزمات هو إيجاد بعض الخرافات والتي تتناسب مع العصر الحالي، فلن يصدق أحد أن الشمس لن تشرق إذا لم تحدث تضحية بنزع قلب إنسان ولكن سيصدق الجميع أن الاقتصاد العالمي سينهار إذا لم نقتل آلاف البشر في هذه البقعة أو تلك وأيضًا في نفس السياق تصبغ المدن باللون الأزرق قبل انتزاع قلوب أبنائها والمعنى وراء أزرق المدن لا يختلف كثيرًا عن أزرق المكسيكيين القدامى. ويبقى الهدف هو خلق الأسباب وبناء المسببات لإقناع الجميع أن هذا هو الصالح العام حتى يقتنع الضحية أنه من الأفضل له أن يكون أزرق وينتزع قلبه لتستمر الحياة.

ولكن الحق والثابت والمرئي والمقروء من التاريخ أن مثل هذه الثقافات تزول بسرعة ولا تبني اقتصادًا ولا ثقافة ولا تاريخًا وبه نعود إلى أصل الحكاية التي بدأنا فيها، فهم أنفسهم أولئك المدافعون عن الشمس والأشداء وأصحاب القلوب الصلبة الذين صبغوا معابدهم بطبقات سميكة من دم الضحايا استسلموا دون قتال يذكر للغزاة المحتلين الإسبان بعدما تم الإمساك بقائدهم والذي أمرهم بالاستسلام فخروا ساجدين، ذلك أنه لم يكن لديهم قضية أو مبدأ ولكن تبعية عمياء، وهذا روح ما يحصل في المؤسسات الكبيرة خاصة كانت أم حكومية فالولاء لا يكون بدعم القرارات المالية والإدارية بغض النظر عن صلاحيتها ولكن الولاء الحق هو بقوام الرأي وموضوعية الحوار ووحدة وشمولية المصلحة ومسؤولية الكلمة، وعسى أن لانكون يومًا نحن ولا مؤسساتنا ولا أوطاننا بالأزرق.

[email protected]

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق