fbpx
كتاب الراية

إدراج الشركات العائلية

الإدراج.. فرصة للشركات العائلية في مواجهة التحولات الاقتصادية الكبرى

يعيش العالم متغيرات سياسية واقتصادية ومناخية وصحية متسارعة، ليس آخرها جائحة كورونا، التي اجتاحت العالم من أقصاه إلى أقصاه، وتركت ندبات وآثارًا اجتماعية ومالية واقتصادية قاسية على الشعوب والحكومات على حد سواء، و من المتوقع ألاّ تُمحى تبعاتُها على قطاع الأعمال خلال وقت قصير وَفقًا لدراسات وتحليلات اقتصادية دولية حديثة.

وسط التحولات والتحديات الراهنة، يُواصل الاقتصاد الخليجي «النفطي» تنفيذ برامجه الإصلاحية الهيكلية لدعم السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية التي فرضتها المتغيرات وظروف السوق، ويعمل على تبنّي سياسات وبرامج تنفيذية مرنة ومنضبطة في آن، لمواجهة التقلبات الحادة في أسعار النفط والغاز في السوق العالمي، تقليل أثرها على الموازنات العامة، خفض العجز وتعظيم الفوائض، انتهاج سياسات منفتحة نحو تنويع مصادر الدخل من القطاعات غير التقليدية، والتوسع في إدخال القطاع الخاص والشركات العائلية في شراكات نوعية مع الدولة.

غير أن الشركات العائلية الخليجية وما تركته من إرث اقتصادي واجتماعي كبيرين على مدى سنوات طويلة، بقيت أسيرة هاجس الاستمرار وتحديات الديمومة وسط مخاوف من التلاشي والانقراض، قبل مجيء الجيل الثالث، وهو ما دفع ويدفع العديد من أبناء الجيل الثاني للتحصن الاستباقي بأسواق رأس المال والبورصات، كملاذ آمن لديمومتها ومواصلة أعمالها وتعظيم إيراداتها، وذلك إما بطرح جزء من رأس المال لاكتتاب عام، أو الإدراج المباشر وترك الإدارة للمختصّين من غير أفراد العائلة.

كانت بورصة قطر جزءًا من هذا المشهد الخليجي مع تنامي ثقافة الاستثمار الشعبي، في سوق الأسهم مطلع الألفية الجديدة، وسط تعاظم شهية الشركات ذات النشأة العائلية للانضمام إلى شاشة التداول في تحوّلٍ نوعي وكبير في الذهنية التقليدية الاستثمارية وكسرٍ لقيود النمط الكلاسيكي لمفهوم الشركات العائلية مع الانتقال إلى صيغ المشاركة الواسعة والاحتكام لقواعد الحوكمة والإدارة الرشيدة، وتعزيز المشاركة الوطنية في برامج التنمية الشاملة التي تضمنتها رؤية قطر 2030 والاستراتيجيات الوطنية المرتبطة بها.

مما لا شك فيه أن حزمة الامتيازات والحوافز التي حصلت عليها الشركات العائلية -بفعل طرح وإدراج أسهمها للتداول في بورصة قطر- شكلت تحولًا تاريخيًا لها ونقطة فاصلة في مسيرتها، ومثلت أيضًا إضافة نوعية للسوق المالي، حيث قدمت للمستثمر المحلي والخارجي -أفرادًا ومؤسسات- مروحة واسعة من الخيارات للاستثمار الآمن والعائد المجزي، خالقةً فرصًا تاريخية للحصول على موارد إضافية للسيولة والائتمان سواء من الأسواق المحلية أو الخارجية بأسعار تنافسية لتمويل برامجها وأنشطتها وتوسعاتها، ما ساهم لاحقًا في زيادة الإيرادات التشغيلية لتلك الشركات وتحقيق نمو مضطرد في صافي أرباحها الفصلية و السنوية مع انتشار واسع لمنتجاتها وخدماتها وسمعة دولية نافذة وتصنيفًا ائتمانيًا مرموقًا، فضلًا عن زيادة في الطلب على أسهمها في السوق وارتفاع إجمالي قيمتها السوقية إلى نحو 60 مليار ريال، أي ما يمثل نحو 10% من إجمالي القيمة السوقية لبورصة قطر حاليًا.

لقد ثبُت بالتجربة لجميع المتعاملين والمستثمرين في بورصة قطر (أفرادًا ومؤسسات) أنها من بين أكثر الأسواق المالية تماسكًا في وجه الأزمات وأسرعها تعافيًا وأعلاها عائدية استثمارية، وذلك بدعم من قوة الاقتصاد الوطني ومتانة المركز المالي للدولة وجودة السياسات المالية والاقتصادية الرشيدة، وهو ما يُعد ميزة وحافزًا كبيرين لجميع الشركات العائلية في قطر لإعادة النظر في تردّدها المزمن نحو تغيير الشكل القانوني إلى مساهمة عامة وتوسيع دائرة المشاركة، ما من شأنه أن يحصن الشركة في مواجهة الاهتزازات والتحولات الاقتصادية الكبرى التي تزداد وتيرتها تباعًا، ويدفعنا نحن أيضًا وأكثر من أي وقت مضى لمضاعفة الجهد وتطوير الأدوات وتعزيز الإمكانيات لتحفيز وتشجيع مجالس الإدارات للتحول إلى الصيغة الأكثر صلابة (المساهمة العامة) في مواجهة التحديات التي ما برحت تفاجئ قطاع الأعمال بين فترة وأخرى.

ندرك تمامًا مستوى الوعي الاستثماري العالي الذي وصلت إليه الشركات العائلية في قطر والدور الوطني الذي تنهض به في خدمة التنمية الشاملة، كما نتفهم وجهة نظر بعض الشركات لجهة تردد مجالس الإدارات للتحول إلى شركات مدرجة في بورصة قطر، لكننا على ثقة كاملة أن الظروف الموضوعية ستدفع الكثير من مجالس الإدارات لتغيير الصورة النمطية والبحث عن منصة تسمح لها بالتوسع والانتشار في ظل الثورة الصناعية الرابعة والثورة الرقمية وعولمة الاقتصاد، وهو ما يزيدنا عزيمة وتصميمًا لتفعيل و تنشيط السوق الأوّلي، والمثابرة على تحفيز الشركات العائلية للتحول إلى شركات مساهمة عامة والعمل مع هيئة قطر للأسواق المالية على تبسيط وتسهيل إجراءات الاكتتاب والإدراج في السوق الثانوي بما يحقق الأهداف المرجوة لكامل أطراف العلاقة الاستثمارية.

الرئيس التنفيذي لبورصة قطر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق