fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. التغابي والثقة بالنفس

التغابي هو سفينة النجاة من الانفعالات وردود الفعل الارتجالية تجاه أي قول لا يرضينا

ثقافة المجتمع -أي مجتمع- بما فيها من موروث قبلي ونعرات طائفية، تميل دائمًا إلى عدم التغاضي عن أقل الأمور حساسية إذا تعلقت بالإساءة غير المقصودة أو حتى المقصودة، وتكون الاستجابة سريعة لانفعالات الرغبة في الانتقام أو الثأر لأبسط الأمور إن لم نقل أتفهها، كأن كرامة الإنسان مجرد غلاف خارجي رقيق يمكن خدشة بعبارة نابية أو تصرف أرعن يصدر من هم أقرب إلى النفس، مع أن الكرامة ليست كذلك بل هي متأصلة في النفوس وراسخة في الأفئدة ولا يمكن أن تؤثر فيها آراء متسرعة أو أفعال عشوائية حتى لا تؤدي تلك العبارة النابية أو التصرف الأرعن إلى أن نقيم الدنيا ولا نقعدها، عندما تجتاح الرغبة الجامحة كل بوادر الوفاق والمحبة والألفة التي كانت سائدة بين شقيقين أو صديقين أو جارين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان إليهم حتى سابع جار.
وقد وجد حكماء السلف علاجًا لهذه الحالة التي تجلب الكراهية وتؤدي إلى الخصومة، ويتلخص هذا العلاج في كلمة واحدة اسمها «التغابي» في مواجهة ما لا نرضى عنه من آراء أو أفعال يرتكبها من لهم مكانة في نفوسنا، لأن غض الطرف عن تلك الآراء والأفعال، يدرأ الخطر الناجم عن أي رغبة في رد الصاع صاعين بحجة الكرامة، وهي في هذه الحالة كرامة هشة ومزيفة يصعب عليها الصمود في مواجهة تحدي الأخطاء الصغيرة.
التغابي هو سفينة النجاة من الانفعالات وردود الفعل الارتجالية تجاه أي قول لا يرضينا، أو أي فعل قد يؤذينا، والتغابي هو التجاهل أو التغافل أو التناسي حتى لا يكبر التافه من الأمور ليصبح بحجم الجبل الضخم، الذي يصعب اجتيازه بسهولة، والنتيجة هي العداء وما يورثه في النفوس من ضغائن وأحقاد ليس من السهل تحمل نتائجها وأول هذه النتائج هي القطيعة المدمرة للعلاقات بيننا وبين من نحب، أولئك الذين نمضي العمر في محبتهم، وفجأة نخسرهم دون أن تتاح لنا فرصة مراجعة حساباتنا، لتصحيح أخطائنا حيالهم.
من المؤكد أن التغابي لا يعني الغباء، فالأمور التي لا يمكن التفريط فيها من قيم نبيلة ومبادئ سامية، تظل على مكانتها من النفوس الأبية التي لا ترضى بالهوان، ولا تقبل التشكيك، وخاصة ما يتعلق منها بالخالق، باتباع أوامره واجتناب نواهيه، أما ما عدا ذلك من الأمور التي نعيشها أو نعايشها كالعادات والممارسات الحياتية الحافلة بالمواجهات الإنسانية المعتادة، فإن أمرها هين ولا يدعو للخلافات التي تنتهي بالندم على ما فات، ما يقلل من قيمة المرء، ويضعف من شأنه، ويثبت عدم قدرته على مواجهة التحديات، وقد حسم الموقف الشاعر الذي قال:
(ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي).
أولادنا يخطئون أخطاء صغيرة فلمَ لا نتغابى عن أخطائهم الصغيرة تلك؟ كذلك تفعل أمهاتنا أو أقرباؤنا وقريباتنا، فلماذا نحمل دائمًا راية الرفض لكل من لا يسير في ركابنا ولا يمشي على خطانا، ولا يمتثل لأهوائنا؟.
(إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذي
ظمئتَ وأيّ الناس تصفو مشاربه)
في الحياة متسع لكل الاختلافات، لكن الأعمار أقصر من أن نقضيها في الخلافات هكذا علمتنا الحياة، والامتثال لما تعلمنا الحياة، ليس اختياريًا، بل هو امتثال تلقائي لدروس مجانية تجود بها تجارب الآخرين، والتغابي ليس دليل ضعف، بل هو دليل قوة عندما تبلغ الشخصية منزلة الثقة التي لا تهزها تحديات الآخرين ومواقفهم التي لا نرضى عنها، عندما ننظر لها بعين السخط التي تبدي المساوئ. في ظروف توجب التغابي عنها وتجاوزها إلى ما هو أهم، من الرضا والثقة بالنفس.

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X